الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَهْلَ التَّوَاتُرِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ فِي مُسْتَقِرِّ الْعَادَةِ أَنْ يَكْذِبُوا، وَلَا أَنْ يَكْتُمُوا مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَكَمَا أَنَّ الْفِطَرَ فِيهَا مَانِعٌ مِنَ الْكَذِبِ، فَفِيهَا دَاعٍ إِلَى الْإِظْهَارِ وَالْبَيَانِ، فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. كَمًّا أَنَّ الْعُقُولَ الْمُتَبَايِنَةَ وَالْفِطَرَ الْمُخْتَلِفَةَ إِذَا أُخْبِرَتْ عَمَّا تَعْلَمُهُ بِضَرُورَةٍ أَوْ حِسٍّ، لَمْ تَتَّفِقْ عَلَى الْكَذِبِ وَلَا الْخَطَإِ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا الْعُقُولُ الْمُتَبَايِنَةُ وَالْفِطَرُ الْمُخْتَلِفَةُ إِذَا سَمِعَتْ مَا يُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ بُطْلَانُهُ وَفَسَادُهُ، لَمْ تَتَّفِقْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ حَتَّى يُعْرَفَ فَسَادُهُ وَبُطْلَانُهُ. وَلِهَذَا لَمْ تَظْهَرْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ إِلَّا كَانَ فِيهِ مَنْ يَعْرِفُ بُطْلَانَ ذَلِكَ، فَيَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ مَعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَإِنْ وَافَقَ فِي الظَّاهِرِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ. وَلِهَذَا تَجِدُ خَلْقًا مِنَ الرَّافِضَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ يَعْلَمُونَ فِي الْبَاطِنِ فَسَادَ قَوْلِهِمْ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِذَلِكَ مَعَ مَنْ يَثِقُونَ بِهِ. وَكَذَلِكَ بَيْنَ النَّصَارَى خَلْقٌ عَظِيمٌ يَعْلَمُونَ فَسَادَ قَوْلِ النَّصَارَى، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْيَهُودِ. وَهَذِهِ الْأُمَّةُ قَدْ كَانَ فِيهَا فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ مُنَافِقُونَ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَقَدْ جَاوَرَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ أُمَمٌ أُخَرُ، وَهُمْ طَوَائِفُ مُتَبَايِنَةٌ، فَمَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يَنْقُلَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ وَجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ مَنْ ظَهَرَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعُقُولَ تُنَافِي مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إِثْبَاتِ الْعُلُوِّ وَالصِّفَاتِ، أَوْ بَعْضِ الصِّفَاتِ، لَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ سَائِرِ الْكَافِرِينَ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا إِذَا كَانَ مُسْتَقِرًّا فِي صَرِيحِ الْمَعْقُولِ، فَلَا بُدَّ مَعَ تَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي أَنْ يُسْتَخْرَجَ وَيُسْتَنْبَطَ، وَإِذَا اسْتُخْرِجَ وَاسْتَنْبِطَ فَلَا بُدَّ مَعَ تَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ، وَإِذَا تُكُلِّمَ بِهِ فَلَا بُدَّ مَعَ تَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي أَنْ يُنْقَلَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ بِهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، نَقَلَ النَّاسُ ذَلِكَ؟ ثُمَّ الْجَهْمُ بَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَلَمْ نَقُلْ إِنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ أَحَدٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يُنَاجِ بِهِ بَعْضَ النَّاسِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ، بَلْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ، وَعَدَمُ ظُهُورِهِ مَعَ الْكَثْرَةِ وَالْقُوَّةِ الْمُوجِبَةِ لِتَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ وَاسْتِنْبَاطِهِ: إِنْ كَانَ حَقًا يُوجِبُ أَنَّهُ لَيْسَ حَقًا، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الصِّفَاتِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا أَعْظَمُ الْمَطَالِبِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ سَلَفَ الْأُمَّةِ كَانُوا أَعْظَمَ النَّاسِ رَغْبَةً فِي هَذَا وَمَحَبَّةً لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ هُوَ قَوْلُ النُّفَاةِ، وَعَلَى ذَلِكَ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ يَسْتَخْرِجُهَا النَّاظِرُ بِعَقْلِهِ، وَهُمْ مِنْ أَعْقَلِ النَّاسِ وَأَرْغَبِهِمْ فِي هَذَا الْمَطْلَبِ، امْتَنَعَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ يَفْطِنُ لِهَذَا الْحَقِّ، وَإِذَا تَفَطَّنَ لَهُ، مَعَ قُوَّةِ دِينِهِمْ وَرَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ، كَانُوا يُظْهِرُونَهُ وَيُبَيِّنُونَهُ، وَذَلِكَ يُوجِبُ ظُهُورَهُ وَانْتِشَارَهُ لَوْ كَانَ حَقًّا. وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَإِظْهَارِهِ، لَوْ كَانَ حَقًّا، لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ مُعَارَضَةِ الرَّسُولِ وَمُنَاقَضَتِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كَمَا يُقَالُ فِي أُمَّتِنَا، فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّ التَّوْرَاةَ مَمْلُوءَةٌ بِإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّفَاةُ تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ التَّوْرَاةَ قَدْ تَدَاوَلَهَا مِنَ الْأُمَمِ مَا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، وَقَدِ انْتَشَرَتْ بَيْنَ النَّصَارَى كَمَا انْتَشَرَتْ بَيْنَ الْيَهُودِ، فَلَوْ كَانَ مَا فِيهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَإِثْبَاتِ الْعُلُوِّ لِلَّهِ مِمَّا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَنَّتَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَغَيْرُهُمْ لِمُوسَى، فَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُمْ مَنْ تَعَنَّتَ بِمُوسَى أَشْيَاءَ لَا تُعْلَمُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، قَدْ آذَوْا مُوسَى وَقَالُوا إِنَّهُ آدَرُ وَإِنَّهُ قَتَلَ هَارُونَ، وَدَسَّ عَلَيْهِ قَارُونُ بَغِيًّا لِرَمْيِهِ بِالزِّنَا لِيُؤْذِيَ مُوسَى بِذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [سُورَةَ الْأَحْزَابِ: 69] ، وَمَعَ هَذَا فَأَذَى مُوسَى بِذَلِكَ أَذًى لَا يَشْهَدُ بِهِ صَرِيحُ الْعَقْلِ، فَلَوْ كَانَ مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِمَّا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، لَكَانَ أَذَاهُ بِالْقَدْحِ فِي ذَلِكَ أَبْيَنَ وَأَظْهَرَ وَأَوْلَى أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ مَنْ يُرِيدُ الْأَذَى لَهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [سُورَةَ الْبَقَرَةِ: 47] . وَقَالَ: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [سُورَةَ الْمَائِدَةِ: 20] . وَقَالَ: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [سُورَةَ الْجَاثِيَةِ: 16] . وَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ مُجَاوِرِينَ الرُّومَ وَالْقِبْطَ وَالنَّبَطَ وَالْفُرْسَ، وَهُمْ أَئِمَّةُ الْفَلَاسِفَةِ، وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأَصْنَافِ. وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ أَسَاطِينَ الْفَلَاسِفَةِ كَفِيثَاغُورْسَ وَسُقْرَاطَ وَأَفَلَاطُنَ قَدِمُوا الشَّامَ وَتَعَلَّمُوا الْحِكْمَةَ مِنْ لُقْمَانَ وَأَصْحَابِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ وَيُفْهَمُ مِنْهَا مُنَاقِضًا لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشُكَّ عَاقِلٌ فِيهِ، لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لَا فِي أَوْلِيَائِهَا وَلَا أَعْدَائِهَا؟ بَلِ الطَّوَائِفُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةٌ عَلَى تَعْظِيمِ الَّذِي جَاءَ بِالتَّوْرَاةِ، خَاضِعِينَ لَهُ، فَهَلْ يَكُونُ كِتَابًا مَمْلُوءًا مِمَّا ظَاهِرُهُ كَذِبٌ وَفِرْيَةٌ عَلَى اللَّهِ، وَوُصِفَ لَهُ بِمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَظْهَرُ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ مُنَاقَضَتُهُ وَمُعَارَضَتُهُ؟ وَمَنِ اعْتَبَرَ الْأُمُورَ وَجَدَ الرَّجُلَ يُصَنِّفُ كِتَابًا فِي طِبٍّ وَحِسَابٍ أَوْ نَحْوٍ أَوْ فِقْهٍ، أَوْ يُنْشِئُ خُطْبَةً أَوْ رِسَالَةً، أَوْ يَنْظِمُ قَصِيدَةً أَوْ أُرْجُوزَةً، فَيَلْحَنُ فِيهِ لَحْنَةً، أَوْ يَغْلَطُ فِي الْمَعْنَى غَلْطَةً، فَلَا يَسْكُتُ النَّاسُ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا فِيهِ وَيُبَيِّنُوا ذَلِكَ وَيَخْرُجُونَ مِنَ الْحَقِّ إِلَى زِيَادَةِ الْبَاطِلِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ ذَلِكَ الْكَلَامِ لَا يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاسْتِتْبَاعِهِ، وَيَذُمُّ مَنْ يُخَالِفُهُ - فَضْلًا عَنْ أَنْ يُكَفِّرَهُ وَيُبِيحَ قِتَالَهُ وَشَتْمَهُ - فَإِذَا كَانَ الَّذِي جَاءَ بِالْقُرْآنِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى طَاعَتِهِ وَاسْتِتْبَاعِهِ، وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُطَاعَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي مُخَالَفَتُهُ فِي شَيْءٍ: دَقَّ وَلَا جَلَّ، وَيَقُولُ إِنَّ السَّعَادَةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَالشَّقَاءَ لِمَنْ خَالَفَهُ، وَيُعَظِّمُ مَطِيعِيهِ، وَيَعِدُهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَيَلْعَنُ مُخَالِفِيهِ وَيُبِيحُ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَحَرِيمَهُمْ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ لَا يَدَّعِيهَا إِلَّا أَكْمَلُ النَّاسِ وَأَحَقُّهُمْ بِهَا، وَهُمُ الرُّسُلُ الصَّادِقُونَ، أَوْ أَكْذَبُ النَّاسِ وَأَبْعَدُهُمْ عَنْهَا، كَالْمُتَنَبِّئِينَ الْكَاذِبِينَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، تُعَادِيهِ النُّفُوسُ وَتَحْسُدُهُ، كَمَا قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِمَا جَاءَهُ، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمَكَ سَيُخْرِجُوكَ. قَالَ: أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِي، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَعْدَاءَ مَنْ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا، إِذَا كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ خِطَابِهِ هُوَ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، وَوَصْفُهُ بِذَلِكَ كَانَ قَائِلًا مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّجْسِيمِ بِمَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْعَقْلِ، بَلْ يَكُونُ صَاحِبُهُ كَافِرًا كَذَّابًا مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ - كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى مُعَارَضَتِهِ بِهِ، وَالطَّعْنِ فِي ذَلِكَ وَالْقَدْحِ فِي نُبُوَّتِهِ بِهِ. وَهَكَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ، كَانَ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ إِنْكَارُ مِثْلِ ذَلِكَ وَالْقَدْحُ فِي مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، وَأَنْ يَكُونَ الْمُؤْذُونَ لَهُ يُؤْذُونَهُ بِذَلِكَ وَأَعْظَمَ مِنْهُ. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ قَدْ وُجِدَ طَعْنٌ فِي مُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا. قُلْنَا: نَعَمْ، وُجِدَ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَتْ مَقَالَةٌ الْجَهْمِيَّةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَحَدِيثُ الْمَلَاحِدَةِ مِنَ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ، وَالَّذِينَ أَخَذُوا شَرَّ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ وَشَرَّ قَوْلِ الرَّافِضَةِ، وَرَكَّبُوا مِنْهُمَا قَوْلًا ثَالِثًا شَرًّا مِنْهُمَا، وَنَحْنُ لَمْ نَقُلْ: إِنَّهُ لَمْ يَقْدَحْ أَحَدٌ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَلَا كَذَّبَهُمْ وَلَا عَارَضَهُمْ فِي نَفْسِ مَا دَعَوْا إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ، وَعَارَضُوهُمْ بِعُقُولِهِمْ، وَلَمْ يُعَارِضُوهُمْ مُعَارَضَةً صَحِيحَةً، بَلْ كَانَ مَا عَارَضُوا بِهِ فَاسِدًا فِي الْعَقْلِ. فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَدَثُوا مِنَ الْمُعَارِضِينَ هُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ أُولَئِكَ الْمُعَارِضِينَ، فَإِنَّ الْقَرَامِطَةَ الْبَاطِنِيَّةَ شَرٌّ مِنْ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ مِنَ الْعَرَبِ، وَشَرٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمُجَادَلَةُ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَمَا زَالَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يُجَادِلُ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضَ بِهِ الْحَقَّ. وَلَكِنْ قُلْنَا: إِذَا كَانَ الظَّاهِرُ الْمَفْهُومُ مِمَّا خَبَّرُوا بِهِ مُخَالِفًا لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، امْتَنَعَ فِي الْعَادَةِ أَنْ لَا يُعَارِضَ أُولَئِكَ الْأَعْدَاءُ بِهِ، وَلَا يَسْتَشْكِلُهُ الْأَصْدِقَاءُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ، وَتَفَرُّقِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا كَانَ الْعَدُوُّ يُعَارِضُ بِالْمَعْقُولِ الْفَاسِدِ، فَكَيْفَ لَا يُعَارِضُ بِالْمَعْقُولِ الصَّرِيحِ، وَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ يَسْتَشْكِلُ مَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ لَخَطَّأَهُ هُوَ نَفْسُهُ، فَكَيْفَ لَا يَسْتَشْكِلُ مَا هُوَ مُشْكِلٌ يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ - بَلْ نَصُّهُ - لِلْحَقِّ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ؟ فَقُلْنَا: عَدَمُ وُجُودِ هَذِهِ الْمُعَارَضَاتِ مَعَ تَوَفُّرِ الْهِمَمِ وَالدَّوَاعِي عَلَى وُجُودِهَا - لَوْ كَانَتْ حَقًّا - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا بَاطِلٌ، كَمَا أَنَّ عَدَمَ نَقْلِ مَا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ - لَوْ كَانَ مَوْجُودًا - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَذِبٌ، بِخِلَافِ وُجُودِ الطَّعْنِ وَالْمُعَارَضَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ مَا عَارَضَ بِهِ وَطَعَنَ، كَمَا أَنَّ مُجَرَّدَ نَقْلِ النَّاقِلِ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ مَا نُقِلَ. فَلْيَتَدَبَّرِ الْفَاضِلُ هَذَا النَّوْعَ مِنَ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ فَإِنَّهُ يَنْفَتِحُ لَهُ أَبْوَابٌ مِنَ الْهُدَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّ الْجَهْمِيَّةَ النُّفَاةَ هُمْ مِنْ أَفْسَدِ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَعْظَمِهِمْ جَهْلًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْصُلُ لِأَحَدِهِمْ مُلْكٌ وَسُلْطَانٌ بِيَدٍ أَوْ لِسَانٍ، كَمَا حَصَلَ لِفِرْعَوْنَ وَنُمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ وَنَحْوِهِمَا. وَلِهَذَا وَصْفُ اللَّهِ لِهَؤُلَاءِ وَأَشْبَاهِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ، وَمَنْ تَدَبَّرَ الْحَقَائِقَ وَجَدَ كُلَّ مَنْ كَانَ أَقْرَبُ إِلَى التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالْعَمَلِ بِهِ، كَانَ أَكْمَلَ عَقْلًا وَسَمْعًا، وَكُلَّ مَنْ كَانَ أَبْعَدُ عَنِ التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَالْعَمَلِ بِهِ، كَانَ أَنْقَصَ عَقْلًا وَسَمْعًا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية