الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَلِهَذَا مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ فِي الْحَجِّ مِلْكُ الْمَالِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، فَلَا يُوجِبُونَ عَلَيْهِ اكْتِسَابَ الْمَالِ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا إِلَّا فِيمَا إِذَا بُذِلَتْ لَهُ الِاسْتِطَاعَةُ: إِمَّا بَذْلُ الْحَجِّ، وَإِمَّا بَذْلُ الْمَالِ لَهُ مِنْ وَلَدِهِ، وَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، لِكَوْنِ الْأَبِ لَهُ عَلَى أَصْلِهِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَالَ وَلَدِهِ، فَيَكُونُ قَبُولُهُ كَتَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمُخَالِفُونَ لِهَؤُلَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا يُوجِبُونَ عَلَيْهِ اكْتِسَابَ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْوُجُوبُ بِبَذْلِ الِابْنِ الْفِعْلَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَا يَتِمُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، فَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ كَقَطْعِ الْمَسَافَةِ فِي الْجُمْعَةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَعَلَى الْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. لَكِنَّ مَنْ تَرَكَ الْحَجَّ وَهُوَ بَعِيدُ الدَّارِ عَنْ مَكَّةَ، أَوْ تَرَكَ الْجُمْعَةَ وَهُوَ بَعِيدُ الدَّارِ عَنِ الْجَامِعِ فَقَدْ تَرَكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَرَكَ قَرِيبُ الدَّارِ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يُقَالُ: إِنَّ عُقُوبَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ قَرِيبِ الدَّارِ، وَالْوَاجِبُ مَا يَكُونُ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي لَزِمَ فِعْلُهُ بِطَرِيقِ التَّبَعِ مَقْصُودًا بِالْوُجُوبِ لَكَانَ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ لِتَارِكِهِ أَعْظَمَ، فَيَكُونُ مَنْ تَرَكَ الْحَجَّ مِنْ أَهْلِ الْهِنْدِ وَالْأَنْدَلُسِ أَعْظَمَ عِقَابًا مِمَّنْ تَرَكَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَمَنْ تَرَكَ الْجُمْعَةَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ أَعْظَمَ عِقَابًا مِمَّنْ تَرَكَهَا مِنْ جِيرَانِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ ثَوَابَ الْبَعِيدِ أَعْظَمُ، وَعِقَابَهُ إِذَا تَرَكَ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ عِقَابِ الْقَرِيبِ، نَشَأَتْ مِنْ هَاهُنَا الشُّبْهَةُ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؟ وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ وُجُوبَهُ بِطْرِيقِ اللُّزُومِ الْعَقْلِيِّ، لَا بِطْرِيقِ قَصْدِ الْآمِرِ، بَلِ الْآمِرُ بِالْفِعْلِ قَدْ لَا يَقْصُدُ طَلَبَ لَوَازِمِهِ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ فَقَدْ لَا تَخْطُرُ بِقَلْبِهِ اللَّوَازِمِ. وَمَنْ فَهِمَ هَذَا انْحَلَّتْ عَنْهُ شُبْهَةُ الْكَعْبِيِّ: هَلْ فِي الشَّرِيعَةِ مُبَاحٌ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ الْكَعْبِيَّ زَعَمَ أَنَّهُ لَا مُبَاحَ فِي الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ إِلَّا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِهِ عَنْ مُحَرَّمٍ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُحَرَّمِ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ، فَيَكُونُ مَا فَعَلَهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ هُوَ مِنْ أَضْدَادِ الْمُحَرَّمِ الْمَأْمُورِ بِهَا. وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: النَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ لَيْسَ أَمْرًا بِضِدٍّ مُعَيَّنٍ، لَا بِطْرِيقِ الْقَصْدِ وَلَا بِطْرِيقِ اللُّزُومِ، بَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنِ الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ تَرْكُهُ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الْأَضْدَادِ، فَهُوَ أَمْرٌ بِمَعْنًى مُطْلَقٍ كُلِّيٍّ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْنَى الْمُطْلَقِ الْكُلِّيِّ لَيْسَ أَمْرًا بِمُعَيَّنٍ بِخُصُوصِهِ، وَلَا نَهْيًا عَنْهُ، بَلْ لَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْمُطْلَقِ إِلَّا بِمُعَيَّنٍ، أَيِّ مُعَيَّنٍ كَانَ، فَهُوَ أَمْرٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُعَيَّنَاتِ، فَمَا امْتَازَ بِهِ مُعَيَّنٌ عَنْ مُعَيَّنٍ فَالْخِيَرَةُ فِيهِ إِلَى الْمَأْمُورِ، لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، وَمَا اشْتَرَكَتْ فِيهِ الْمُعَيَّنَاتُ ـ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرِكُ ـ فَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الْآمِرُ. وَهَذَا يُحِلُّ الشُّبْهَةَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَأْمُورِ الْمُخَيَّرِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ: هَلْ يَكُونُ أَمْرًا بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا أَمْ لَا؟ فَالْمُخَيَّرُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ أُمِرَ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالٍ مُعَيَّنَةٍ، كَمَا فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [الْبَقَرَةِ: 196] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [الْمَائِدَةِ: 89] فَهُنَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ وَاحِدًا مِنْهَا بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَأَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْجَمِيعَ لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى تَرْكِ الثَّلَاثَةِ، كَمَا يُعَاقَبُ إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ الثَّلَاثَةَ كُلَّهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية