الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ صَارُوا يَقُولُونَ: هَذَا الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ الْمَسْمُوعُ هُوَ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتُهُ، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ. وَيَقُولُونَ: تِلَاوَتُنَا لِلْقُرْآنِ مَخْلُوقَةٌ، وَقِرَاءَتُنَا لَهُ مَخْلُوقَةٌ، وَيُدْخِلُونَ فِي ذَلِكَ نَفْسَ الْكَلَامِ الْمَسْمُوعِ، وَيَقُولُونَ: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، يُدْخِلُونَ فِي ذَلِكَ الْقُرْآنَ الْمَلْفُوظَ الْمَتْلُوَّ الْمَسْمُوعَ. فَأَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ هَذَا، وَقَالُوا: اللَّفْظِيَّةُ جَهْمِيَّةٌ، وَقَالُوا: افْتَرَقَتِ الْجَهْمِيَّةُ ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ قَالَتْ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَفِرْقَةٌ قَالَتْ: نَقِفُ فَلَا نَقُولُ مَخْلُوقٌ وَلَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَفِرْقَةٌ قَالَتْ: تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَاللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ. فَلَمَّا انْتَشَرَ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ غَلِطَتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَتِلَاوَتُنَا لَهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَبَدَّعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَؤُلَاءِ، وَأَمَرَ بِهَجْرِهِمْ. وَلِهَذَا ذَكَرَ الْأَشْعَرِيُّ فِي مَقَالَاتِهِ هَذَا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ: وَالْقَوْلُ بِاللَّفْظِ وَالْوَقْفُ عِنْدَهُمْ بِدَعَةٌ، مَنْ قَالَ: «اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» فَهُوَ مُبْتَدَعٌ عِنْدَهُمْ، وَمَنْ قَالَ: «غَيْرُ مَخْلُوقٍ» فَهُوَ مُبْتَدَعٌ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي صَرِيحِ السُّنَّةِ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ: «لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ» فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ قَالَ: «إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ» فَهُوَ مُبْتَدَعٌ. وَصَنَّفَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ قُتَيْبَةَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ هَذَا فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَبَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ مَا صَنَّفَهُ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ قِصَّةَ أَبِي طَالِبٍ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ أَكَابِرُ أَصْحَابِهِ، كَعَبْدِ اللَّهِ وَصَالِحٍ ابْنَيْهِ وَالْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ فُورَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيِّ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ. وَكَانَ أَهْلُ الْحَدِيثِ قَدِ افْتَرَقُوا فِي ذَلِكَ، فَصَارَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَمُرَادُهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَسْمُوعَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ صَوْتَ الْعَبْدِ، كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْمِصِّيصِيِّ، وَطَوَائِفَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ. وَفِي أَتْبَاعِ هَؤُلَاءِ مَنْ قَدْ يُدْخِلُ صَوْتَ الْعَبْدِ أَوْ فِعْلَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَقِفُ فِيهِ، فَفَهِمَ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، فَصَارَ يَقُولُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ أَصْوَاتُهُمْ مَخْلُوقَةٌ، رَدًّا لِهَؤُلَاءِ، كَمَا فَعَلَ الْبُخَارِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ. وَصَارَ يَحْصُلُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَلْفَاظٌ مُشْتَرِكَةٌ، وَأَهْوَاءٌ لِلنُّفُوسِ، حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالْفِتْنَةِ، وَحَصَلَ بَيْنَ الْبُخَارِيِّ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَصَارَ قَوْمٌ مَعَ الْبُخَارِيِّ كَمُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَنَحْوِهِ، وَقَوْمٌ عَلَيْهِ كَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ إِلَّا فِي مَسْأَلَةِ اللَّفْظِ. وَصَارَ قَوْمٌ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ الْمَتْلُوُّ، وَالْقِرَاءَةَ هِيَ الْمَقْرُوءُ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ بِالتِّلَاوَةِ الْمَصْدَرَ، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرَكَةٍ، وَمِمَّا يَكُونُ عَنِ الْحَرَكَةِ مِنْ أَقْوَالِهِ الَّتِي هِيَ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ وَمَعَانٍ مَفْهُومَةٌ، وَالْقَوْلُ وَالْكَلَامُ يُرَادُ بِهِ تَارَةً الْمَجْمُوعَ فَتَدْخُلُ الْحَرَكَةُ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ نَوْعًا مِنَ الْعَمَلِ وَقِسْمًا مِنْهُ، وَيُرَادُ بِهِ تَارَةً مَا يَقْتَرِنُ بِالْحَرَكَةِ وَيَكُونُ عَنْهَا، لَا نَفْسُ الْحَرَكَةِ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ قَسِيمًا لِلْعَمَلِ، وَنَوْعًا آخَرَ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ، وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي لَفْظِ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ: هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْكَلَامُ؟، عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ مَا إِذَا حَلَفَ لَا يَعْمَلُ الْيَوْمَ عَمَلًا، فَتَكَلَّمَ، هَلْ يَحْنَثُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظُ الْكَلَامِ قَدْ يَدْخُلُ فِي الْعَمَلِ وَقَدْ لَا يَدْخُلُ. فَالْأَوَّلُ كَمَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ لِي مِثْلُ مَا لِفُلَانٍ لَعَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فُلَانٌ» أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَقَدْ جُعِلَ فِعْلُ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَمَلًا، كَمَا قَالَ: لَعَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ فَلَانٌ. وَالثَّانِي كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فَاطِرٍ: 10] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يُونُسَ: 61] فَالَّذِينَ قَالُوا التِّلَاوَةُ هِيَ الْمَتْلُوُّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ قَصَدُوا أَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ الْقَوْلُ وَالْكَلَامُ الْمُقْتَرِنُ بِالْحَرَكَةِ، وَهِيَ الْكَلَامُ الْمَتْلُوُّ. وَآخَرُونَ قَالُوا: بَلِ التِّلَاوَةُ غَيْرُ الْمَتْلُوِّ، وَالْقِرَاءَةُ غَيْرُ الْمَقْرُوءِ، وَالَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لَيْسَ هِيَ كَلَامَ اللَّهِ، وَلَا أَصْوَاتُ الْعِبَادِ هِيَ صَوْتُ اللَّهِ، وَهَذَا الَّذِي قَصَدَهُ الْبُخَارِيُّ، وَهُوَ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ: التِّلَاوَةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَاللَّفْظُ مُجْمَلٌ مُشْتَرَكٌ: يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ، وَيُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية