الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُعَارِضُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ بِأَقْوَالِهِمْ بَنَوْا أَمْرَهُمْ عَلَى أَصْلٍ فَاسِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا أَقْوَالَهُمُ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا هِيَ الْأَقْوَالَ الْمُحْكَمَةَ الَّتِي جَعَلُوهَا أُصُولَ دِينِهِمْ، وَجَعَلُوا قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْمُجْمَلِ الَّذِي لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا هُدًى، فَجَعَلُوا الْمُتَشَابِهَ مِنْ كَلَامِهِمْ هُوَ الْمُحْكَمَ، وَالْمُحْكَمَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ هُوَ الْمُتَشَابِهَ، كَمَا يَجْعَلُ الْجَهْمِيَّةُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مَا أَحْدَثُوهُ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي نَفَوْا بِهِ صِفَاتِ اللَّهِ، وَنَفَوْا بِهَا رُؤْيَتَهُ فِي الْآخِرَةِ وَعُلُوَّهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَوْنَ الْقُرْآنِ كَلَامَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، جَعَلُوا تِلْكَ الْأَقْوَالَ مَحْكَمَةً، وَجَعَلُوا قَوْلَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مُؤَوَّلًا عَلَيْهَا، أَوْ مَرْدُودًا، أَوْ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ وَلَا مُتَلَقًّى لِلْهُدَى مِنْهُ فَتَجِدُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ: لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَا جَوْهَرٍ، وَلَا عَرَضٍ، وَلَا لَهُ كَمٌّ، وَلَا كَيْفٌ، وَلَا تَحُلُّهُ الْأَعْرَاضُ وَالْحَوَادِثُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِمُبَايِنٍ لِلْعَالَمِ وَلَا خَارِجَ عَنْهُ. فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ لَهُ عِلْمًا وَقُدْرَةً، قَالُوا: لَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ وَقُدْرَةٌ لَلَزِمَ أَنْ تَحِلَّهُ الْأَعْرَاضُ، وَأَنْ يَكُونَ جِسْمًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ وَكَمِّيَّةٌ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ عَنِ اللَّهِ، لِمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قَدْ تَقُولُ: إِنَّ الرَّسُولَ قَصَدَ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ أُمُورًا لَا نَعْرِفُهَا، وَقَدْ تَقُولُ: إِنَّهُ قَصَدَ خِطَابَ الْجُمْهُورِ فَإِفْهَامُهُمُ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُمْ فِي ذَلِكَ قَدْ يُفَسِّرُ صِفَةً بِصِفَةٍ، كَمَا يُفَسِّرُ الْحُبَّ وَالرِّضَا وَالْغَضَبَ بِالْإِرَادَةِ، أَوِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ بِالْعِلْمِ، وَالْكَلَامَ وَالْإِرَادَةَ وَالْقُدْرَةَ بِالْعِلْمِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الثَّانِيَةِ كَالْقَوْلِ فِي الْأُولَى، يُلْزِمُهَا مِنَ اللَّوَازِمِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَا يُلْزِمُ الَّتِي نَفَاهَا، فَيَكُونُ مَعَ جَمْعِهِ فِي كَلَامِهِ أَنْوَاعًا مِنَ السَّفْسَطَةِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالْقَرْمَطَةِ فِي السَّمْعِيَّاتِ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ: بِأَنْ جَعْلَ حُكْمَ أَحَدِهِمَا مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْآخَرِ، وَيَكُونُ قَدْ عَطَّلَ النُّصُوصَ عَنْ مُقْتَضَاهَا، وَنَفَى بَعْضَ مَا يَسْتَحِقُّ اللَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَيَكُونُ النَّافِي لِمَا أَثْبَتَهُ هُوَ قَدْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ فِيمَا أَثْبَتَهُ هُوَ نَظِيرَ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ مَا نَفَاهُ، وَإِنْ كَانَ النَّافِي لِمَا أَثْبَتَهُ أَكْثَرَ تَنَاقُضًا مِنْهُ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُجْمَلَةِ دِينًا، يُوَالُونَ عَلَيْهِ وَيُعَادُونَ، بَلْ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ، وَيَقُولُ: مَسَائِلُ أُصُولِ الدِّينِ: الْمُخْطِئُ فِيهَا يُكَفَّرُ وَتَكُونُ تِلْكَ الْمَسَائِلُ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ. مَعْلُومٌ أَنَّ الْخَوَارِجَ هُمْ مُبْتَدَعَةٌ مَارِقُونَ، كَمَا ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ذَمَّهُمْ وَالطَّعْنَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ إِنَّمَا تَأَوَّلُوا آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ، وَجَعَلُوا مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ كَافِرًا، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ خَالَفَ الْقُرْآنَ، فَمَنِ ابْتَدَعَ أَقْوَالًا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْقُرْآنِ، وَجَعَلَ مَنْ خَالَفَهَا كَافِرًا كَانَ قَوْلُهُ شَرًّا مِنْ قَوْلِ الْخَوَارِجِ، وَلِهَذَا اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْجَهْمِيَّةِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْخَوَارِجِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية