الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا الْكَلَامَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ يَضِيقُ عَنْهَا هَذَا الْمَوْضِعُ، فَإِنَّ مَدَارَ هَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ، فَإِنَّ الْمُرَكَّبَ يُرَادُ بِهِ مَا رَكَّبَهُ غَيْرُهُ، وَمَا كَانَ مُفْتَرَقًا فَاجْتَمَعَ، كَأَجْزَاءِ الثَّوْبِ وَالطَّعَامِ وَالْأَدْوِيَةِ مِنَ السَّكَنْجِبَيْنِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَكَّبُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ. وَقَدْ يُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ مَا يُمْكِنُ تَفْرِيقُ بَعْضِهِ عَنْ بَعْضٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ التَّرْكِيبَاتِ. وَيُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ فِي عُرْفِهِمُ الْخَاصِّ مَا تَمَيَّزَ مِنْهُ شَيْءٌ، كَتَمَيُّزِ الْعِلْمِ عَنِ الْقُدْرَةِ، وَتَمَيُّزِ مَا يُرَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَتَسْمِيَةُ هَذَا الْمَعْنَى تَرْكِيبًا وَضْعٌ وَضَعُوهُ لَيْسَ مُوَافِقًا لِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَلَا لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَكَّبًا فَكُلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مُرَكَّبٌ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَوْجُودٍ إِلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ مِنْهُ شَيْءٌ دُونَ شَيْءٍ، وَالْمَعْلُومُ لَيْسَ الَّذِي هُوَ غَيْرَ مَعْلُومٍ. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى جُزْئِهِ تَلْبِيسٌ، فَإِنَّ الْمَوْصُوفَ بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لَهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تُفَارِقَهُ أَوْ يُفَارِقَهَا، وَلَيْسَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ غَيْرُ الذَّاتِ الْمَوْصُوفَةِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْحَقِيقَةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى غَيْرِهَا، وَالصِّفَةُ اللَّازِمَةُ يُسَمِّيهَا بَعْضُ النَّاسِ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ: لَيْسَتْ غَيْرَ الْمَوْصُوفِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُطْلِقُ عَلَيْهَا لَفَظَ الْمُغَايَرَةِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ حَتَّى يُفَصِّلَ وَيَقُولَ إِنْ أُرِيدَ بِالْغَيْرَيْنِ مَا جَازَ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَهِيَ غِيَرُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا مَا جَازَ مُفَارَقَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ فَلَيْسَتْ بِغِيَرٍ، فَإِنْ لَمْ يُقَلْ: هِيَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرَ لَازِمٍ لِلذَّاتِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُفْتَقِرَةً إِلَيْهِ، وَإِنْ قِيلَ: هِيَ غَيْرُهُ فَهِيَ وَالذَّاتُ مُتَلَازِمَانِ لَا تُوجَدُ إِحْدَاهُمَا إِلَّا مَعَ الْأُخْرَى، وَمِثْلُ هَذَا التَّلَازُمِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي كَوْنَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا مَشْرُوطًا بِالْآخَرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ مُوجِبًا لِلْآخَرِ، فَالدَّوْرُ فِي الْعِلَلِ مُمْتَنِعٌ، وَالدَّوْرُ فِي "الشُّرُوطِ جَائِزٌ. وَلَفْظُ الِافْتِقَارِ هُنَا: إِنْ أُرِيدَ بِهِ افْتِقَارُ الْمَعْلُولِ إِلَى عِلَّتِهِ كَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ افْتِقَارُ الْمَشْرُوطِ إِلَى شَرْطِهِ ـ فَهَذَا هُوَ تُلَازِمٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، وَالْوَاجِبُ بِنَفْسِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُفْتَقِرًا إِلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ صِفَةً لَازِمَةً لِذَاتِهِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى اسْمِهِ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ: إِنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى نَفْسِهِ. فَإِنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ أَوْ عَبَدْتُ اللَّهَ كَانَ اسْمَ اللَّهِ مُتَنَاوِلًا لِلَّذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِصِفَاتِهَا، لَيْسَ اسْمُ اللَّهِ اسْمًا لِلذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ صِفَاتِهَا اللَّازِمَةِ لَهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية