الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ صَارُوا يَنْفُونَ مَا يَنْفُونَهُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ إِثْبَاتَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ جِسْمًا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى إِثْبَاتِ الصَّانِعِ إِنَّمَا هُوَ حُدُوثُ الْأَجْسَامِ، فَلَوْ كَانَ جِسْمًا لِبَطَلَ دَلِيلُ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ. وَمِنْ هُنَا قَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ مِنْ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الدَّلِيلِ الَّذِي بِهِ عَلِمْنَا صِدْقَ الرَّسُولِ. وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِذَلِكَ، لَأَنَّ صِدْقَهُ لَا يُعْلَمُ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ الْعِلْمُ بِالصَّانِعِ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ إِلَّا الْقَوْلُ بِحُدُوثِ الْأَجْسَامِ. قَالُوا: وَإِثْبَاتُ الصِّفَاتِ لَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ جِسْمٌ قَدِيمٌ، فَلَا يَكُونُ كُلُّ جِسْمٍ حَادِثًا، فَيَبْطُلُ دَلِيلُ إِثْبَاتِ الْعِلْمِ بِهِ. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِ: إِنَّ صِدْقَ الرَّسُولِ مَعْلُومٌ بِالْمُعْجِزَةِ، وَالْمُعْجِزَةُ مَعْلُومَةٌ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُظْهِرُهَا عَلَى يَدِ كَاذِبٍ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِكَوْنِ إِظْهَارِهَا عَلَى يَدِ الْكَذَّابِ قَبِيحًا، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ مَعْلُومٌ بِأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ عَالِمٌ بِقُبْحِهِ، وَالْغَنِيُّ عَنِ الشَّيْءِ الْعَالِمِ بِقُبْحِهِ لَا يَفْعَلُهُ، وَغِنَاهُ مَعْلُومٌ بِكَوْنِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَكَوْنُهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ مَعْلُومٌ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ، فَلَوْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ لَكَانَ جِسْمًا، وَلَوْ كَانَ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْقَبِيحِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَظْهَرَ الْمُعْجِزَةُ عَلَى يَدِ كَذَّابٍ، فَلَا يَبْقَى لَنَا طَرِيقٌ إِلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ. فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ أَصْلُ دِينِ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الشِّيعَةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية