الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَإِنْ قَالُوا: «إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُهَا كُلُّهَا، أَوْ لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا فِي الْأَزَلِ، فَتَأَخَّرَ فَيْضُهُ لِتَأَخُّرِ اسْتِعْدَادِ الْقَوَابِلِ» . قِيلَ: هَذَا إِنَّمَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِذَا كَانَ الْقَابِلُ لَيْسَ هُوَ صَادِرًا عَنِ الْفَاعِلِ، مِثْلُ الْقَوَابِلِ لِأَثَرِ الشَّمْسِ، فَإِنَّ أَثَرَ الشَّمْسِ فِيهَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ تِلْكَ الْقَوَابِلِ، فَتُسَوِّدُ وَجْهَ الْقَصَّارِ وَتُبَيِّضُ الثَّوْبَ، وَتُرَطِّبُ الْفَاكِهَةَ تَارَةً، وَتُجَفِّفُهَا أُخْرَى، وَلِهَذَا إِنَّمَا قَالَ سَلَفُهُمْ هَذَا فِي الْعَقْلِ الْفَعَّالِ، فَقَالُوا إِنَّهُ يَتَأَخَّرُ فَيْضُهُ عَلَى الْقَوَابِلِ، لِتَأَخُّرِ اسْتِعْدَادِ الْقَوَابِلِ بِسَبِبِ الْحَرَكَاتِ الْفَلَكِيَّةِ، فَالْمُوجِبُ لِاسْتِعْدَادِ الْقَوَابِلِ لَيْسَ هُوَ الْمُوجِبَ لِلْفَيْضِ عِنْدَهُمْ. وَهَذَا قَالُوهُ لِاعْتِقَادِهِمْ وُجُودَ هَذَا الْعَقْلِ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ فِي الْمُبْدِعِ لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي مِنْهُ الْإِعْدَادُ وَمِنْهُ الْإِمْدَادُ، لَا يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْفَاعِلُ هُوَ الْفَاعِلَ لِلْقَابِلِ وَالْمَقْبُولِ، عَادَ السُّؤَالُ جَذَعًا، وَقِيلَ: فَلِمَ جَعَلَ الْقَوَابِلَ تُقْبَلُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، دُونَ غَيْرِهِ؟ وَلِمَ جَعَلَ الْحَرَكَةَ الْفَلَكِيَّةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دُونَ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الْمُمْكِنَ لَيْسَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ أَصْلًا، لَا طَبِيعَةٌ وَلَا غَيْرُهَا؟ بَلِ الْمُوجِبُ هُوَ الْفَاعِلُ لِطَبِيعَتِهِ وَحَقِيقَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَارِجِ مُبَايَنَةً لِلْمَوْجُودِ فِي الْخَارِجِ، بَلِ الْبَارِئُ هُوَ الْمُبْدِعُ لِلْحَقَائِقِ كُلِّهَا. وَمِنْ قَالَ: (إِنَّ لِلْمُمْكِنِ مَاهِيَّةً مُغَايِرَةً فِي الْخَارِجِ لِلْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ) . أَوْ قَالَ: (إِنَّهُ شَيْءٌ ثَابِتٌ فِي الْقِدَمِ)، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ تِلْكَ الَمَعْدُومَاتِ أَوْجَبَتْ قُدْرَةَ الْفَاعِلِ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، مَعَ أَنَّهَا كُلُّهَا مُمْكِنَةٌ: إِلَّا لِأَمْرٍ آخَرَ، مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: مَا يُمْكِنُ غَيْرُ هَذَا، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلَحُ، أَوِ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ حُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرَّعْدِ: 4] ، فَإِنَّهُ دَلَّ بِهَذَا عَلَى تَفْضِيلِهِ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ، مَعَ اسْتِوَائِهَا فِيمَا تَسَاوَتْ فِيهِ مِنَ الْأَسْبَابِ. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . [فَاطِرٍ: 27- 28]. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إِنَّمَا تَفَاضَلَتْ وَاخْتَلَفَتْ لِاخْتِلَافِ الْقَوَابِلِ، وَأَسْبَابٍ أُخْرَى مِنَ الْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْحَبِّ وَالنَّوَى. قِيلَ لَهُ: وَتِلْكَ الْقَوَابِلُ وَالْأَسْبَابُ هِيَ أَيْضًا مِنْ فِعْلِهِ، لَيْسَتْ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَهُوَ الَّذِي أَعَدَّ الْقَوَابِلَ، وَهُوَ الَّذِي أَمَدَّ كُلَّ شَيْءٍ بِحَسْبِ مَا أَعَدَّهُ لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَقَدَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَ الْأُمُورَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ زَوْجَيْنِ، فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا بَسِيطًا لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ لَازِمٌ لَهُ، لَا يَصْدُرُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ شَيْءٍ سِوَاهُ، فَإِنَّ فِعْلَ الْمُخْتَلِفَاتِ الْحَادِثَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فَاطِرٍ: 28] . قَالَ طَائِفَةً مِنَ السَّلَفِ: الْعُلَمَاءُ بِهِ فَإِنَّ مَنْ جَعَلَهُ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى إِحْدَاثِ فِعْلٍ، وَلَا تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ لَزِمَهُ مَا لَا يُمْكِنُهُ مُفَارَقَتُهُ: لَمْ يَخْشَهُ، إِنَّمَا يَخْشَى الْكَوَاكِبَ وَالْأَفْلَاكَ الَّتِي تَفْعَلُ الْآثَارَ الْأَرْضِيَّةَ عِنْدَهُ، أَوْ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا عَبَدَهَا هَؤُلَاءِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَلِهَذَا كَانَ دُعَاؤُهُمْ لَهَا وَخَشْيَتُهُمْ مِنْهَا. وَلِهَذَا تَبَرَّأَ الْخَلِيلُ مِنْ مَخَافَتِهَا لَمَّا نَاظَرَهُمْ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ، وَقَالَ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الْأَنْعَامِ: 76] . قَالَ تَعَالَى: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الْأَنْعَامِ: 80- 81] . وَقَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الْأَنْعَامِ: 82]، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَخَافُونَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا، وَهُمْ قَدْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، وَلَا يَخَافُونَ اللَّهَ إِذْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَإِنَّمَا يَخْشَاهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، فَهَؤُلَاءِ الدَّهْرِيَّةُ الْفَلَاسِفَةُ وَأَمْثَالُهُمْ لَا يَخَافُونَ اللَّهَ تَعَالَى.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية