الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قُلْتُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْعَرَضُ الْأَزَلِيُّ إِنَّمَا يَزُولُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ، وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي غَيْرِهِ، بَلْ لَا يَزُولُ إِلَّا بِسَبَبٍ حَادِثٍ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حُدُوثِ سَبَبٍ يَحْدُثُ لِيَزُولَ السُّكُونُ، وَهُوَ يَقُولُ: الْمُقْتَضِي لِزَوَالِ السُّكُونِ كَالْمُقْتَضِي لِحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَهُوَ الْإِرَادَةُ الْمَسْبُوقَةُ بِإِرَادَةٍ لَا إِلَى أَوَّلَ، لَكِنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ يُصَحِّحُ الْقَوْلَ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ. فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ الْجِسْمُ أَزَلِيًّا وَأَمْكَنَ حُدُوثُ الْحَرَكَةِ فِيهِ، كَانَ الْمُقْتَضِي لِحَرَكَتِهِ مُجَوِّزًا لِحُدُوثِ الْعَالَمِ، لَكِنْ هَذَا يُبْطِلُ حُجَّةَ الْفَلَاسِفَةِ، وَلَا يُصَحِّحُ حُجِّيَّةَ أَنَّ الْجِسْمَ الْأَزَلِيَّ يَمْتَنِعُ تَحْرِيكُهُ فِيمَا بَعْدُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ هَهُنَا بَحْثًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ السُّكُونَ هَلْ هُوَ أَمْرٌ ثُبُوتِيٌّ مُضَادٌّ لِلْحَرَكَةِ، أَوْ هُوَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَحَرَّكَ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ، فَإِذَا كَانَ عَدَمِيًّا لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى سَبَبٍ. (قَالَ: وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَسْلُكُهَا فِي كَوْنِ الْبَارِي فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجَبًا بِالذَّاتِ وَجَبَ أَنْ لَا يَنْفَكَّ عَنْهُ الْعَالَمُ، فَيَلْزَمُ إِمَّا قِدَمُ الْعَالَمِ، وَإِمَّا حُدُوثُ الْبَارِي تَعَالَى. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجَبًا بِالذَّاتِ لَمَا حَصَلَ تَغَيُّرٌ فِي الْعَالَمِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ دَوَامِهِ دَوَامُ مَعْلُولِهِ، وَإِلَّا كَانَ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجَّحٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ دَوَامِ مَعْلُولِهِ دَوَامُ مَعْلُولِ مَعْلُولِهِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَلْزَمَ دَوَامُ جَمِيعِ الْمَعْلُولَاتِ) . قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: (الِاعْتِرَاضُ: أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقِدَمَ مُنْتَفٍ، وَأَمَّا الْحُجَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فَقَدْ مَرَّ ضَعْفُهَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجَبًا بِالذَّاتِ لَلَزِمَ دَوَامُ مَعْلُولَاتِهِ، وَإِنَّمَا يُلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُ مَعْلُولَاتِهِ قَابِلَةً لِلدَّوَامِ، وَهَذَا لَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعْلُولَاتِهِ الْحَرَكَةَ، وَهِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْبَقَاءِ) . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اعْتِرَاضُ الْأَبْهَرِيِّ هُنَا ضَعِيفٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَيُقَالُ: هَبْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْقِدَمِ ضَعِيفٌ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ضِعْفِ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ انْتِفَاءُ الْمَدْلُولِ، وَأَنْتَ قَدْ بَيَّنْتَ ضَعْفَ دَلِيلِ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى الْقِدَمِ، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ بِالذَّاتِ يَسْتَلْزِمُ قِدَمُ الْعَالَمِ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ، كَانَ قَوْلُهُمْ أَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَالْأَبْهَرِيُّ قَدْ ذَكَرَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوْضِعِ مَا احْتَجَّ بِهِ عَلَى حُدُوثِ الْعَالِمِ بِبَيَانِ انْتِفَاءِ لَازِمِ الْقِدَمِ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ قَصْدُهُ بَيَانَ فَسَادِ مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ فَالرَّازِيُّ ذَكَرَ وَجْهَيْنِ. وَهَبْ أَنَّ الْأَوَّلَ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ الثَّانِيَ قَوِيٌّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ مُوجَبًا بِالذَّاتِ مَا حَصَلَ تَغَيُّرٌ فِي الْعَالِمِ) . وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْمُوجَبُ بِالذَّاتِ يُرَادُ بِهِ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا، وَلَوْ كَانَتْ شَاعِرَةً بِهِ، وَيُرَادُ مَا يَفْعَلُ بِغَيْرِ إِرَادَةٍ وَلَا شُعُورٍ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ مُتَرَاخِيًا. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِفْسَادَ الْقِسْمَ الثَّانِي، وَإِنَّمَا قَصَدَ إِفْسَادَ الْقِسْمَ الْأَوَّلِ. فَيُقَالُ: إِذَا كَانَ الْمُوجَبُ عِلَّةً تَامَّةً تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا كَانَ مَعْلُولُهَا لَازِمًا لَهَا، وَمَعْلُولُ مَعْلُولِهَا لَازِمًا، فَيَمْتَنِعُ تَأَخُّرُ شَيْءٍ مِنْ لِوَزْمِهَا وَلَوَازِمِ لَوَازِمِهَا، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ مُحْدَثٌ، فَلَا يَحْصُلُ فِي الْعَالَمِ تَغَيُّرٌ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُعْتَرِضِ: (إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُ مَعْلُولَاتِهِ قَابِلَةً لِلْقِدَمِ، وَالْحَرَكَةُ لَا تَقْبَلُهُ) . فَيُقَالُ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا لَهَا مَعْلُولٌ لَا يَقْبَلُ الْبَقَاءَ، وَهُوَ الْحَرَكَةُ، وَالْحَوَادِثُ تَحْدُثُ بِسَبَبِهِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْلُولُ حَوَادِثَ يَقُومُ بِهَا، وَتَكُونُ كُلُّ الْأُمُورِ الْمُبَايِنَةِ مَوْقُوفَةً عَلَى تَعَاقُبِ تِلْكَ الْحَوَادِثِ، كَمَا قَدْ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ نَفْسُهُ فِي الْإِرَادَاتِ الْمُتَعَاقِبَةِ، وَقَالَ: (يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَارِي إِرَادَاتٌ حَادِثَةٌ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَسْتَنِدُ إِلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ تَنْتَهِي فِي جَانِبِ النُّزُولِ إِلَى إِرَادَةٍ تَقْتَضِي حُدُوثَ الْعَالَمِ، فَيَلْزَمُ حُدُوثُهُ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُوجَبًا بِذَاتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مُوجَبًا بِذَاتِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مُوجِبَاتِهِ، بَلْ يَجُوزُ مَعَ هَذَا أَنَّ تَتَأَخَّرَ عَنْهُ مُوجِبَاتُهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ الْعَالَمُ قَدِيمًا، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُوجَبُ بِذَاتِهِ فِي هَذَا الِاصْطِلَاحِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ الرَّازِيُّ، وَأَرَادَ بِهِ إِفْسَادَ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُوجَبَ بِذَاتِهِ فِي هَذَا الِاصْطِلَاحِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ هُوَ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية