الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا قَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّ الْأُفُولَ هُوَ الْحُدُوثُ، وَالْأُفُولُ هُوَ التَّغَيُّرُ، فَبَنَى ابْنُ سِينَا وَأَتْبَاعُهُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ عَلَى هَذَا وَقَالُوا: مَا سُوَى اللَّهِ مُمْكِنٌ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ فَهُوَ آفِلٌ، فَالْآفِلُ لَا يَكُونُ وَاجِبَ الْوُجُودِ. وَجَعَلَ الرَّازِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» هَذَا الْهَذَيَانَ، وَقَدْ يَقُولُ هُوَ وَغَيْرُهُ: كُلُّ آفِلٍ مُتَغَيِّرٌ، وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ مُمْكِنٌ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِالتَّغَيُّرِ عَلَى الْإِمْكَانِ، كَمَا اسْتَدَلَّ الْأَكْثَرُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالتَّغَيُّرِ عَلَى الْحُدُوثِ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُ: هَذِهِ طَرِيقَةُ الْخَلِيلِ. الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: نَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَدْعُوا النَّاسَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ وَلَا بَيَّنُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ. وَهَذَا قَوْلُ مُحَقِّقِي طَوَائِفِ النُّفَاةِ وَأَئِمَّتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ وَيَقُولُونَ: إِنَّ النَّفْيَ لَمْ يَعْتَمِدْ فِيهِ عَلَى طَرِيقَةٍ مَأْخُوذَةٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَدُلُّوا عَلَى ذَلِكَ، لَا نَصًّا وَلَا ظَاهِرًا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ إِمَّا نَصًّا وَإِمَّا ظَاهِرًا. لَكِنْ قَالُوا: إِذَا كَانَ الْعَقْلُ دَلَّ عَلَى النَّفْيِ لَمْ يُمْكِنَّا إِبْطَالَ مَدْلُولِ الْعَقْلِ. ثُمَّ يَقُولُ الْمُتَكَلِّمُونَ مَنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الصَّانِعِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِحُدُوثِ الْعَالِمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ قَادِرٌ حَيٌّ عَالِمٌ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ الرُّسُلَ وَيُصَدِّقَ الْأَنْبِيَاءَ بِالْمُعْجِزَاتِ إِلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقِ - كَمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ أَئِمَّتُهُمْ وَحُذَّاقُهُمْ، حَتَّى مُتَأَخِّرُوهُمْ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَغَيْرِهِمْ - فَإِذَا عَلِمْنَا مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَدْعُوا النَّاسَ بِهَا لَزِمَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ أَحَالَ النَّاسَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَلَى الْعَقْلِ، وَإِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ هُمْ فِي نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ إِمَّا أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ، وَيَكُونُ الْقَصْدُ بِإِنْزَالِ الْمُتَشَابِهِ تَكْلِيفَهُمُ اسْتِخْرَاجَ طَرِيقِ التَّأْوِيلَاتِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْلُكُوا مَسْلَكَ التَّفْوِيضِ، وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ إِنْزَالَ أَلْفَاظٍ يَتَعَبَّدُونَ بِتِلَاوَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مَعَانِيهَا. وَيَقُولُ مَلَاحِدَةُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَنَحْوُهُمْ: الْمَقْصُودُ خِطَابُ الْجُمْهُورِ بِمَا يَتَخَيَّلُونَ بِهِ أَنَّ الرَّبَّ جِسْمٌ عَظِيمٌ، وَأَنَّ الْمَعَادَ فِيهِ لِذَاتٍ جُسْمَانِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، ثُمَّ إِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: عَلِمُوهُ وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ بَلْ أَظْهَرُوا خِلَافَ الْحَقِّ لِلْمَصْلَحَةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية