الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَكَذَلِكَ أَيْضًا إِذَا عَلِمَ النَّاسُ وَشَهِدُوا أَنَّ فُلَانًا خَبِيرٌ بِالطِّبِّ أَوِ الْقِيَافَةِ أَوِ الْخَرْصِ أَوْ تَقْوِيمِ السِّلَعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ دُونَهُمْ، أَوْ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ نَازَعَ الشُّهُودُ الشَّاهِدُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ وَالْقِيَافَةِ وَالْخَرْصِ وَالتَّقْوِيمِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، وَجَبَ تَقْدِيمُ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ وَالْقِيَافَةِ وَالْخَرْصِ وَالتَّقْوِيمِ عَلَى قَوْلِ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا لَهُمْ، وَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ زَكَّيْنَا هَؤُلَاءِ، وَبِأَقْوَالِنَا ثَبَتَتْ أَهْلِيَّتُهُمْ، فَالرُّجُوعُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ إِلَيْهِمْ دُونَنَا يَقْدَحُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ قَوْلُهُمْ. كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْعَقْلَ مُزَكِّي الشَّرْعِ وَمُعَدِّلُهُ، فَإِذْ قُدِّمَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ كَانَ قَدَحًا فِيمَنْ زَكَّاهُ وَعَدَّلَهُ، فَيَكُونُ قَدْحًا فِيهِ. قِيلَ لَهُمْ: أَنْتُمْ شَهِدْتُمْ بِمَا عَلِمْتُمْ مِنْ أَنَّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ أَوِ التَّقْوِيمِ أَوِ الْخَرْصِ أَوِ الْقِيَافَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ مَقْبُولٌ دُونَ قَوْلِكُمْ، فَلَوْ قَدَّمَنَا قَوْلَكُمْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَكَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي شَهَادَتِكُمْ وَعِلْمِكُمْ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْكُمْ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَإِخْبَارُكُمْ بِذَلِكَ لَا يُنَافِي قَبُولَ قَوْلِهِ دُونَ أَقْوَالِكُمْ فِي ذَلِكَ، إِذْ يُمْكِنُ إِصَابَتُكُمْ فِي قَوْلِكُمْ: هُوَ أَعْلَمُ مِنَّا، وَخَطَؤُكُمْ فِي قَوْلِكُمْ: نَحْنُ أَعْلَمُ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنَّا فِيمَا يُنَازِعُنَا فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الَّتِي هُوَ أَعْلَمُ بِهَا مِنَّا، بَلْ خَطَؤُكُمْ فِي هَذَا أَظْهَرُ. وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا أَعْلَمُ مِنْهُ بِالصِّنَاعَاتِ كَالْحِرَاثَةِ وَالنِّسَاجَةِ وَالْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّنَاعَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِتَفَاصِيلِ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ، فَإِذَا تَنَازَعَ هُوَ وَذَلِكَ الَّذِي هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ تَقْدِيمُ قَوْلِ الْأَعْلَمِ مِنْهُ فِي مَوَارِدِ النِّزَاعِ قَدْحًا فِيمَا عَلِمَ بِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مُبَايَنَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَوِي الْعُقُولِ أَعْظَمُ مِنْ مُبَايَنَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالصِّنَاعَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَالْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ كَالطِّبِّ وَالْقِيَافَةِ وَالْخَرْصِ وَالتَّقْوِيمِ لِسَائِرِ النَّاسِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصِيرَ عَالِمًا بِتِلْكَ الصِّنَاعَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ كَعِلْمِ أَرْبَابِهَا بِهَا، وَلَا يُمْكِنُ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ رَسُولًا إِلَى النَّاسِ أَنْ يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولًا إِلَى النَّاسِ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ لَا تُنَالُ بِالِاجْتِهَادِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمِلَلِ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا مُكْتَسَبَةً مِنْ أَهْلِ الْإِلْحَادِ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهَا عِنْدَهُمْ أَصْعَبُ الْأُمُورِ، فَالْوُصُولُ إِلَيْهَا أَصْعَبُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ بِالصِّنَاعَاتِ وَالْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية