الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَإِذَا لَمْ يُوجَدُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا يُعْلَمُ نَقِيضُهُ بِالْأَدِلَّةِ الْخَفِيَّةِ كَالْإِجْمَاعِ وَنَحْوِهِ، فَأَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا مَا يُعْلَمُ نَقِيضُهُ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ الظَّاهِرِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَكِنَّ عَامَّةَ مَوَارِدِ التَّعَارُضِ هِيَ مِنَ الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الْمُشْتَبِهَةِ الَّتِي يَحَارُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ، كَمَسَائِلِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَعَامَّةُ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ الَّتِي تَقْصُرُ عُقُولُ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ عَنْ تَحْقِيقِ مَعْرِفَتِهَا بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِمْ، وَلِهَذَا كَانَ عَامَّةُ الْخَائِضِينَ فِيهَا بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِمْ إِمَّا مُتَنَازِعِينَ مُخْتَلِفِينَ، وَإِمَّا حَيَارَى مُتَهَوِّكِينَ، وَغَالِبُهُمْ يَرَى أَنَّ إِمَامَهُ أَحَذَقُ فِي ذَلِكَ مِنْهُ. وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ مُقَلِّدِينَ لِأَئِمَّتِهِمْ فِيمَا يَقُولُونَ: إِنَّهُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ، فَتَجِدُ أَتْبَاعَ أَرِسْطُوطَالِيسَ يَتْبَعُونَهُ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْمَنْطِقِيَّاتِ وَالطَّبِيعِيَّاتِ وَالْإِلَهِيَّاتِ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَدْ يَرَى بِعَقْلِهِ نَقِيضَ مَا قَالَهُ أَرِسْطُو، وَتَجِدُهُ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ يَتَوَقَّفُ فِي مُخَالَفَتِهِ، أَوْ يَنْسُبُ النَّقْصَ فِي الْفَهْمِ إِلَى نَفْسِهِ، مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَهْلُ الْعَقْلِ الْمُتَّصِفُونَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ فِي الْمَنْطِقِ مِنَ الْخَطَأِ الْبَيِّنِ مَا لَا رَيْبَ فِيهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا كَلَامُهُ وَكَلَامُ أَتْبَاعِهِ: كَالْإِسْكَنْدَرِ الأَفْرُودِيسِي، وَبرقلس، وثامسطيوس، وَالْفَارَابِيِّ، وَابْنِ سِينَا، وَالسُّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ، وَابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ، وَأَمْثَالِهِمْ فِي الْإِلَهِيَّاتِ، فَمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ الْكَثِيرِ وَالتَّقْصِيرِ الْعَظِيمِ ظَاهِرٌ لِجُمْهُورِ عُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ، بَلْ فِي كَلَامِهِمْ مِنَ التَّنَاقُضِ مَا لَا يَكَادُ يُسْتَقْصَى. وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ رُءُوسِ الْمَقَالَاتِ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا مَنْ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا فِيهَا مِنَ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، فَفِيهَا أَيْضًا مِنْ مُخَالَفَةِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، كَأَتْبَاعِ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ النَّظَّامِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الْكَعْبِيِّ، وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ. وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى السُّنَّةِ مِنْ هَؤُلَاءِ، كَأَتْبَاعِ حُسَيْنٍ النَّجَّارِ، وَضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو، مِثْلُ أَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بَرْغُوثٍ الَّذِي نَاظَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَمِثْلُ حَفْصٍ الْفَرْدِ الَّذِي كَانَ يُنَاظِرُ الشَّافِعِيَّ، وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْإِثْبَاتِ كَأَتْبَاعِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرَّامٍ، وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ. بَلْ هَذَا مَوْجُودٌ فِي أَتْبَاعِ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ شُيُوخِ الْعِبَادَةِ، كَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ، تَجِدُ أَحَدَهُمْ دَائِمًا يَجِدُ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَرَاهُ هُوَ بَاطِلًا، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ فِي رَدِّ ذَلِكَ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ إِمَامَهُ أَكْمَلُ مِنْهُ عَقْلًا وَعِلْمًا وَدِينًا، هَذَا مَعَ عِلْمِ كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَتْبُوعَهُ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، وَأَنَّ الْخَطَأَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَلَا تَجِدُّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُ: إِذَا تَعَارَضَ قَوْلِي وَقَوْلُ مَتْبُوعِي قَدَّمْتُ قَوْلِي مُطْلَقًا، لَكِنَّهُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَحْيَانًا الْحَقُّ فِي نَقِيضِ قَوْلِ مَتْبُوعِهِ، أَوْ أَنَّ نَقِيضَهُ أَرْجَحُ مِنْهُ قَدَّمَهُ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخَطَأَ جَائِزٌ عَلَيْهِ. فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ مَا يَعْلَمُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بِعَقْلِهِ أَنَّهُ بَاطِلٌ؟ وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ رَأْيَهُ عَلَى نَصِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْبَاءِ الْغَيْبِ الَّتِي ضَلَّ فِيهَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَ فِيهَا بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ، بِدُونِ الِاسْتِهْدَاءِ بِهُدَى اللَّهِ، وَالِاسْتِضَاءَةِ بِنُورِ اللَّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كَتَبَهُ، مَعَ عِلْمِ كُلِّ أَحَدٍ بِقُصُورِهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَبِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِ أَصْحَابِهِ مِنَ الِاضْطِرَابِ؟ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية