الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي مَسَائِلِ الْهَيْئَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الرِّيَاضِيَّاتِ، وَفِي أَحْكَامِ الْجِسْمِ وَغَيْرِهِ مِنَ الطَّبِيعِيَّاتِ، فَمَا الظَّنُّ بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ؟ وَأَسَاطِينُ الْفَلْسَفَةِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ فِيهِ إِلَى الْيَقِينَ، وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِالْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَالْأَخْلَقِ. وَأَكْثَرُ الْفُضَلَاءِ الْعَارِفِينَ بِالْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، بَلْ وَبِالتَّصَوُّفِ، الَّذِينَ لَمْ يُحَقِّقُوا مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ تَجِدُهُمْ فِيهِ حَيَارَى، كَمَا أَنْشَدَ الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ لَمَّا قَالَ: قَدْ أَشَارَ إِلَيَّ مَنْ إِشَارَتُهُ غُنْمٌ، وَطَاعَتُهُ حَتْمٌ، أَنْ أَجْمَعَ لَهُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْأُصُولِ، مَا أَشْكَلَ عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ، وَلَعَلَّهُ اسْتَسْمَنَ ذَا وَرَمٍ، وَنَفَخَ فِي غَيْرِ ضَرَمٍ، لَعَمْرِي: لَقَدْ طُفْتُ فِي تِلْكَ الْمَعَاهِدِ كُلِّهَا وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ وَأَنْشَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِهِ مِثْلِ كِتَابِ «أَقْسَامِ اللَّذَّاتِ» لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ، وَأَنَّهُ ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ الْعِلْمُ بِالذَّاتِ، وَالصِّفَاتِ، وَالْأَفْعَالِ، وَعَلَى كُلِّ مَقَامٍ عُقْدَةٌ، فَعَلِمُ الذَّاتِ عَلَيْهِ عُقْدَةُ: هَلِ الْوُجُودُ هُوَ الْمَاهِيَّةُ أَوْ زَائِدٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ؟ وَعِلْمُ الصِّفَاتِ عَلَيْهِ عُقْدَةُ: هَلِ الصِّفَاتُ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ أَمْ لَا؟ وَعِلْمُ الْأَفْعَالِ عَلَيْهِ عُقْدَةُ: هَلِ الْفِعْلُ مُقَارِنٌ لِلذَّاتِ أَوْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهَا؟ ثُمَّ قَالَ: وَمَنِ الَّذِي وَصَلَ إِلَى هَذَا الْبَابِ، أَوْ ذَاقَ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ؟ ثُمَّ أَنْشَدَ: نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالِمَيْنِ ضَلَالُ وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحَثْنَا طُولَ عُمْرِنَا سِوَى أَنْ جَمَعَنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ، وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطَّرْقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ؛ اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: 5] إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فَاطِرٍ: 10]، وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشُّورَى: 11] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: 110] ، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مَرْيَمَ: 65]، وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي، عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي. وَكَانَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ فُضَلَاءِ الشِّيعَةِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَلَهُ أَشْعَارٌ فِي هَذَا الْبَابِ، كَقَوْلِهِ: فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِ حَارَ أَمْرِي وَانْقَضَى عُمُرِي سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَا رَبِحَتْ إِلَّا أَذَى السَّفَرِ فَلَحَى اللَّهُ الْأُلَى زَعَمُوا أَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُوا خَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَرِ هَذَا مَعَ إِنْشَادِهِ: وَحَقِّكَ لَوْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ قُلْتُ لِلَّذِينِ بِهَا: قَدْ كُنْتُ مِمَّنْ يُحِبُّهْ وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي عُلُومٍ كَثِيرَةٍ وَمَا بُغْيَتِي إِلَّا رِضَاهُ وَقُرْبُهْ أَمَا قُلْتُمُ: مَنْ كَانَ فِينَا مُجَاهِدًا سَيُكْرَمُ مَثْوَاهُ وَيَعْذُبُ شِرْبُهْ أَمَا رُدَّ شَكُّ ابْنِ الْخَطِيبِ وَزَيْغُهُ وَتَمْوِيهُهُ فِي الدِّينِ إِذْ جَلَّ خَطْبُهْ وَآيَةُ حُبِّ الصَّبِّ أَنْ يَعْذُبَ الْأَسَى إِذَا كَانَ مَنْ يَهْوَى عَلَيْهِ يَصُبُّهْ وَابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ رَدًّا عَلَى أَبِي حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى «تَهَافُتُ الْفَلَاسِفَةِ» فَسَمَّاهُ «تَهَافُتُ التَّهَافُتِ» وَمِنَ الَّذِي قَالَهُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ: وَأَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ هُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ يُزَيِّفُ حُجَجَ الطَّوَائِفِ وَيَبْقَى حَائِرًا وَاقِفًا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية