الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 315 ]

236 . والواضعون بعضهم قد صنعا من عند نفسه ، وبعض وضعا      237 . كلام بعض الحكما في المسند
ومنه نوع وضعه لم يقصد      238 . نحو حديث ثابت (من كثرت
صلاته) الحديث ، وهلة سرت

التالي السابق


ثم الواضعون منهم من يضع كلاما من عند نفسه ، ويرويه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من يأخذ كلام بعض الحكماء ، أو بعض الزهاد ، أو الإسرائليات فيجعله حديثا نحو حديث : " حب الدنيا رأس كل خطيئة " . فإنه إما من كلام مالك بن دينار ، كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان بإسناده إليه . وإما هو مروي من كلام عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم كما رواه البيهقي في كتاب الزهد ، ولا أصل له من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا من مراسيل الحسن البصري ، كما رواه البيهقي في شعب الإيمان في الباب الحادي والسبعين منه . ومراسيل الحسن عندهم شبه الريح .

وكالحديث الموضوع : " المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء " . فهذا من كلام بعض الأطباء ، لا أصل له عن النبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 316 ] ومن أقسام الموضوع : ما لم يقصد وضعه ، وإنما وهم فيه بعض الرواة . وقال ابن الصلاح : إنه شبه الوضع ، كحديث رواه ابن ماجه ، عن إسماعيل بن محمد الطلحي ، عن ثابت بن موسى الزاهد ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر مرفوعا : " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " .

قال أبو حاتم الرازي : كتبته عن ثابت فذكرته لابن نمير ، فقال الشيخ - يعني ثابتا - لا بأس به . والحديث منكر . قال أبو حاتم : والحديث موضوع . وقال الحاكم : دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبد الله القاضي ، والمستملي بين يديه ، وشريك يقول : حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولم يذكر المتن . فلما نظر إلى ثابت بن موسى قال : " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " وإنما أراد ثابتا لزهده وورعه ، فظن ثابت أنه روي هذا الحديث مرفوعا بهذا الإسناد ، فكان ثابت يحدث به عن شريك ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، وقال ابن حبان : وهذا قول شريك . قاله عقب حديث الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر : " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم " . فأدرجه ثابت في الخبر ، ثم سرقه منه جماعة ضعفاء ، وحدثوا به عن شريك ; فعلى هذا هو من أقسام المدرج .

[ ص: 317 ] وقال ابن عدي : إنه حديث منكر لا يعرف إلا بثابت ، وسرقه منه من الضعفاء عبد الحميد بن بحر ، وعبد الله بن شبرمة الشريكي ، وإسحاق بن بشر الكاهلي ، وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسي . قال : وحدثنا به بعض الضعاف عن زحمويه ، وكذب; فإن زحمويه ثقة . قال: وبلغني عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه ذكر له هذا الحديث ، عن ثابت ، فقال : باطل ، شبه على ثابت ; وذلك أن شريكا كان مزاحا ، وكان ثابت رجلا صالحا فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك ، وكان شريك يقول : حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فالتفت فرأى ثابتا فقال يمازحه : " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " . فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلام الذي قاله شريك ، هو متن الإسناد الذي قرأه فحمله على ذلك . وإنما ذلك قول شريك . وقال العقيلي : إنه حديث باطل ، ليس له أصل ولا يتابعه عليه ثقة . وقال عبد الغني بن سعيد : كل من حدث به عن شريك ، فهو غير ثقة . وقد قال ابن معين في ثابت هذا : إنه كذاب . وقوله : ( وهلة ) أي : غفلة . ومنه : قول عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح : " إنه لم يكذب ولكنه وهل " ، أي : ذهب وهمه إلى ذلك .






الخدمات العلمية