الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        6472 حدثنا عبدان حدثنا عبد الله حدثنا يونس عن الزهري حدثنا عطاء بن يزيد أن عبيد الله بن عدي حدثه أن المقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة حدثه وكان شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا رسول الله إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة وقال أسلمت لله آقتله بعد أن قالها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتله قال يا رسول الله فإنه طرح إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها آقتله قال لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال وقال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم للمقداد إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        الحديث الرابع : قوله : ( حدثنا عبدان ) هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو ابن المبارك ، ويونس هو ابن يزيد ، وعطاء بن يزيد هو الليثي ، وعبيد الله بالتصغير هو ابن عدي ، أي ابن الخيار بكسر المعجمة وتخفيف التحتانية النوفلي ، له إدراك ، وقد تقدم بيانه في مناقب عثمان ، والمقداد بن عمرو هو المعروف بابن الأسود .

                                                                                                                                                                                                        قوله ( إن لقيت ) كذا للأكثر بصيغة الشرط ، وفي رواية أبي ذر : " إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي فقطعها " ، وظاهر سياقه أن ذلك وقع ، والذي في نفس الأمر بخلافه ، وإنما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع ، وقد تقدم في غزوة بدر بلفظ : " أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار " الحديث وهو يؤيد رواية الأكثر .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( ثم لاذ بشجرة ) أي التجأ إليها ، وفي رواية الكشميهني ثم لاذ مني بشجرة ، والشجرة مثال .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال أسلمت لله ) أي دخلت في الإسلام .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ) قال الكرماني : القتل ليس سببا لكون كل منهما بمنزلة الآخر ، لكن عند النحاة مؤول بالإخبار ، أي هو سبب لإخباري لك بذلك ، وعند البيانيين المراد لازمه كقوله : يباح دمك إن عصيت .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وأنت بمنزلته قبل أن يقول ) قال الخطابي : معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم ، فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم ، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحا بحق القصاص كالكافر بحق الدين ، وليس المراد إلحاقه في الكفر كما تقوله الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة ، وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ ، فالأول أنه مثلك في صون الدم ، والثاني أنك مثله في الهدر .

                                                                                                                                                                                                        ونقل ابن التين عن الداودي قال : معناه إنك صرت قاتلا كما كان هو قاتلا ، قال : وهذا من المعاريض ، لأنه أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه ، وإنما أراد أن كلا منهما قاتل ، ولم يرد أنه صار كافرا بقتله إياه .

                                                                                                                                                                                                        ونقل ابن بطال عن المهلب معناه فقال : أي أنك بقصدك لقتله عمدا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثما ، فأنتما في حالة واحدة من العصيان . وقيل المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن تسلم وكنت مثله في الكفر كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك ، وقيل معناه أنه مغفور له بشهادة التوحيد كما أنك مغفور لك بشهود بدر .

                                                                                                                                                                                                        ونقل ابن بطال عن ابن القصار أن معنى قوله : " وأنت بمنزلته " أي في إباحة الدم ، وإنما قصد بذلك ردعه وزجره عن قتله لا أن الكافر إذا قال : أسلمت حرم قتله ، وتعقب بأن الكافر مباح الدم والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله ولم يكن عرف أنه مسلم وإنما قتله متأولا فلا يكون بمنزلته في إباحته .

                                                                                                                                                                                                        وقال القاضي عياض : معناه أنه مثله في مخالفة الحق وارتكاب الإثم وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفرا والآخر معصية .

                                                                                                                                                                                                        وقيل : المراد إن قتلته مستحلا لقتله فأنت مثله في الكفر ، وقيل : المراد بالمثلية أنه مغفور له بشهادة التوحيد وأنت مغفور لك بشهود بدر .

                                                                                                                                                                                                        ونقل ابن التين أيضا عن الداودي أنه أوله على وجه آخر فقال : يفسره حديث ابن عباس الذي في آخر الباب ومعناه أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطع لليد مؤمنا يكتم إيمانه مع قوم كفار غلبوه على نفسه ، فإن قتلته فأنت شاك في قتلك إياه أنى ينزله الله من العمد والخطإ كما كان هو مشكوكا في إيمانه لجواز أن يكون يكتم إيمانه ، ثم قال : فإن قيل كيف قطع يد المؤمن وهو ممن يكتم إيمانه؟ فالجواب أنه دفع عن نفسه من يريد قتله فجاز له ذلك كما جاز للمؤمن أن يدفع عن نفسه من يريد قتله ولو أفضى إلى قتل من يريد قتله فإن دمه يكون هدرا ، فلذلك لم [ ص: 198 ] يقد النبي - صلى الله عليه وسلم - من يد المقداد لأنه قطعها متأولا .

                                                                                                                                                                                                        قلت : وعليه مؤاخذات : منها الجمع بين القصتين بهذا التكلف مع ظهور اختلافهما ، وإنما الذي ينطبق على حديث ابن عباس قصة أسامة الآتية في الباب الذي يليه حيث حمل على رجل أراد قتله فقال إني مسلم فقتله ظنا أنه قال ذلك متعوذا من القتل ، وكان الرجل في الأصل مسلما ، فالذي وقع للمقداد نحو ذلك كما سأبينه وأما قصة قطع اليد فإنما قالها مستفتيا على تقدير أن لو وقعت كما تقدم تقريره ، وإنما تضمن الجواب النهي عن قتله لكونه أظهر الإسلام فحقن دمه وصار ما وقع منه قبل الإسلام عفوا .

                                                                                                                                                                                                        ومنها أن في جوابه عن الاستشكال نظرا لأنه كان يمكنه أن يدفع بالقول بأن يقول له عند إرادة المسلم قتله إني مسلم فيكف عنه ، وليس له أن يبادر لقطع يده مع القدرة على القول المذكور ونحوه ، واستدل به على صحة إسلام من قال أسلمت لله ولم يزد على ذلك ، وفيه نظر لأن ذلك كاف في الكف ، على أنه ورد في بعض طرقه أنه قال لا إله إلا الله ، وهو رواية معمر عن الزهري عند مسلم في هذا الحديث ، واستدل به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها بناء على ما تقدم ترجيحه ، وأما ما نقل عن بعض السلف من كراهة ذلك فهو محمول على ما يندر وقوعه ، وأما ما يمكن وقوعه عادة فيشرع السؤال عنه ليعلم .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال حبيب بن أبي عمرة ) هو القصاب الكوفي لا يعرف اسم أبيه ، وهذا التعليق وصله البزار والدارقطني في " الأفراد " والطبراني في " الكبير " من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي عن حبيب وفي أوله : " بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فيها المقداد ، فلما أتوهم وجدوهم تفرقوا وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فأهوى إليه المقداد فقتله " الحديث .

                                                                                                                                                                                                        وفيه : " فذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا مقداد قتلت رجلا قال لا إله إلا الله ، فكيف لك بلا إله إلا الله ، فأنزل الله ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمقداد : كان رجلا مؤمنا يخفي إيمانه " إلخ ، قال الدارقطني : تفرد به حبيب وتفرد به أبو بكر عنه .

                                                                                                                                                                                                        قلت : قد تابع أبا بكر سفيان الثوري لكنه أرسله ، أخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عنه ، وأخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن الثوري كذلك ، ولفظ وكيع بسنده عن سعيد بن جبير : " خرج المقداد بن الأسود في سرية " فذكر الحديث مختصرا إلى قوله : " فنزلت " ولم يذكر الخبر المعلق ، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه القصة في تفسير سورة النساء ، وبينت الاختلاف في سبب نزول الآية المذكورة ، وطريق الجمع ، ولله الحمد .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية