الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
النوع الحادي عشر : الإيضاح بعد الإبهام :

قال أهل البيان : إذا أردت أن تبهم ثم توضح فإنك تطنب .

وفائدته : إما رؤية المعنى في صورتين مختلفتين : الإبهام والإيضاح ، أو لتمكن المعنى في النفس تمكنا زائدا لوقوعه بعد الطلب ، فإنه أعز من المنساق بلا تعب ، أو لتكمل لذة العلم به ، فإن الشيء إذا علم من وجه ما ، تشوقت النفس للعلم به من باقي وجوهه وتألمت ، فإذا حصل العلم من بقية الوجوه كانت لذته أشد من علمه من جميع وجوهه دفعة واحدة .

ومن أمثلته : رب اشرح لي صدري [ طه : 25 ] ، فإن ( اشرح ) يفيد طلب شرح شيء ما ، و ( صدري ) يفيد تفسيره وبيانه . وكذلك : ويسر لي أمري [ طه : 26 ] ، والمقام يقتضي التأكيد للإرسال المؤذن بتلقي الشدائد ، وكذلك : ألم نشرح لك صدرك [ الشرح : 1 ] ، فإن المقام يقتضي التأكيد ؛ لأنه مقام امتنان وتفخيم . وكذا : وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين [ الحجر : 66 ] .

ومنه التفصيل بعد الإجمال ، نحو : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا إلى قوله : منها أربعة حرم [ التوبة : 36 ] ، وعكسه كقوله : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [ البقرة : 196 ] ، أعيد ذكر العشرة لرفع توهم أن الواو في ( وسبعة ) بمعنى ( أو ) فتكون الثلاثة داخلة فيها ، كما في قوله : خلق الأرض في يومين ، ثم قال : وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام [ فصلت : 9 ، 10 ] ، فإن من جملتها اليومين المذكورين أولا ، وليست أربعة غيرهما ، وهذا أحسن الأجوبة في [ ص: 121 ] الآية ، وهو الذي أشار إليه الزمخشري ، ورجحه ابن عبد السلام ، وجزم به الزملكاني في أسرار التنزيل .

قال : ونظيره : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر [ الأعراف : 142 ] ، فإنه رافع لاحتمال أن تكون تلك العشرة من غير مواعدة .

قال ابن عسكر : وفائدة الوعد بثلاثين أولا ثم بعشر ليتجدد له قرب انقضاء المواعدة ، ويكون فيه متأهبا ، مجتمع الرأي ، حاضر الذهن ; لأنه لو وعد بالأربعين أولا كانت متساوية ، فلما فصلت استشعرت النفس قرب التمام ، وتجدد بذلك عزم لم يتقدم .

وقال الكرماني في العجائب : في قوله : تلك عشرة كاملة ثمانية أجوبة : جوابان من التفسير ، وجواب من الفقه ، وجواب من النحو ، وجواب من اللغة ، وجواب من المعنى ، وجوابان من الحساب ، وقد سقتها في أسرار التنزيل .

التالي السابق


الخدمات العلمية