الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
أحدها : تحريم بيع الكلب ، وذلك يتناول كل كلب صغيرا كان أو كبيرا للصيد ، أو للماشية ، أو للحرث ، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث قاطبة ، والنزاع في ذلك معروف عن أصحاب مالك ، وأبي حنيفة ، فجوز أصحاب أبي حنيفة بيع الكلاب ، وأكل أثمانها ، وقال القاضي عبد الوهاب : اختلف أصحابنا في بيع ما أذن في اتخاذه من الكلاب ، فمنهم من قال : يكره ، ومنهم من قال : يحرم ، انتهى .

وعقد بعضهم فصلا لما يصح بيعه ، وبنى عليه اختلافهم في بيع الكلب ، فقال : ما كانت منافعه كلها محرمة لم يجز بيعه ، إذ لا فرق بين المعدوم حسا ، والممنوع شرعا ، وما تنوعت منافعه إلى محللة ومحرمة ، فإن كان المقصود من العين خاصة ، كان الاعتبار بها - والحكم تابع لها - فاعتبر نوعها ، وصار الآخر كالمعدوم . وإن توزعت في النوعين ، لم يصح البيع ؛ لأن ما يقابل ما حرم منها أكل مال بالباطل ، وما سواه من بقية الثمن يصير مجهولا .

قال : وعلى هذا الأصل مسألة بيع كلب الصيد ، فإذا بني الخلاف فيها على هذا الأصل ، قيل : في الكلب من المنافع كذا وكذا ، وعددت جملة منافعه ، ثم نظر فيها ، فمن رأى أن جملتها محرمة ، منع ، ومن رأى جميعها محللة ، أجاز ، ومن رآها متنوعة ، نظر : هل المقصود المحلل ، أو المحرم ، فجعل الحكم للمقصود ، ومن رأى منفعة واحدة منها محرمة وهي مقصودة ، منع أيضا ، ومن التبس عليه كونها مقصودة ، وقف أو كره ، فتأمل هذا التأصيل والتفصيل ، وطابق بينهما يظهر لك ما فيهما من التناقض والخلل ، وأن بناء بيع كلب الصيد على هذا الأصل من أفسد البناء ، فإن قوله : من رأى أن جملة منافع كلب الصيد محرمة بعد [ ص: 681 ] تعديدها ، لم يجز بيعه ، فإن هذا لم يقله أحد من الناس قط ، وقد اتفقت الأمة على إباحة منافع كلب الصيد من الاصطياد والحراسة ، وهما جل منافعه ، ولا يقتنى إلا لذلك ، فمن الذي رأى منافعه كلها محرمة ، ولا يصح أن تراد منافعه الشرعية ؟ فإن إعارته جائزة .

وقوله : ومن رأى جميعها محللة ، أجاز ، كلام فاسد أيضا ، فإن منافعه المذكورة محللة اتفاقا ، والجمهور على عدم جواز بيعه .

وقوله : ومن رآها متنوعة ، نظر ، هل المقصود المحلل أو المحرم ؟ كلام لا فائدة تحته البتة ، فإن منفعة كلب الصيد هي الاصطياد دون الحراسة ، فأين التنوع وما يقدر في المنافع من التحريم يقدر مثله في الحمار والبغل ؟ وقوله : ومن رأى منفعة واحدة محرمة وهي مقصودة منع . أظهر فسادا مما قبله ، فإن هذه المنفعة المحرمة ليست هي المقصودة من كلب الصيد ، وإن قدر أن مشتريه قصدها ، فهو كما لو قصد منفعة محرمة من سائر ما يجوز بيعه ، وتبين فساد هذا التأصيل ، وأن الأصل الصحيح هو الذي دل عليه النص الصريح الذي لا معارض له البتة من تحريم بيعه .

التالي السابق


الخدمات العلمية