الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فصل

واختلف الناس في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال .

أحدها : سقوطها به مطلقا سواء كان المحضون ذكرا أو أنثى ، وهذا مذهب الشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة ، وأحمد في المشهور عنه . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم ، وقضى به شريح .

والقول الثاني : أنها لا تسقط بالتزويج بحال ، ولا فرق في الحضانة بين الأيم وذوات البعل ، وحكي هذا المذهب عن الحسن البصري ، وهو قول أبي محمد بن حزم .

القول الثالث : أن الطفل إن كان بنتا لم تسقط الحضانة بنكاح أمها ، وإن كان ذكرا سقطت ، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله ، نص عليه في رواية مهنا بن يحيى الشامي ، فقال : إذا تزوجت الأم وابنها صغير ، أخذ منها . قيل له : والجارية مثل الصبي ؟ قال : لا ، الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين . وعلى هذه الرواية : فهل تكون عندها إلى سبع سنين أو إلى أن تبلغ ؟ على روايتين . قال ابن أبي موسى : وعن أحمد أن الأم أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ .

[ ص: 407 ]

والقول الرابع : أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها ، ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال ، أحدها : أن المشترط أن يكون الزوج نسيبا للطفل فقط ، وهذا ظاهر قول أصحاب أحمد . الثاني : أنه يشترط أن يكون مع ذلك ذا رحم محرم ، وهو قول أصحاب أبي حنيفة . الثالث : أنه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد ، بأن يكون جدا للطفل ، وهذا قول مالك ، وبعض أصحاب أحمد ، فهذا تحرير المذاهب في هذه المسألة .

فأما حجة من أسقط الحضانة بالتزويج مطلقا ، فثلاث حجج : إحداها : حديث عمرو بن شعيب المتقدم ذكره . الثانية : اتفاق الصحابة على ذلك ، وقد تقدم قول الصديق لعمر : هي أحق به ما لم تتزوج ، وموافقة عمر له على ذلك ، ولا مخالف لهما من الصحابة البتة ، وقضى به شريح ، والقضاة بعده إلى اليوم في سائر الأعصار والأمصار .

الثالثة : ما رواه عبد الرزاق : حدثنا ابن جريج ، حدثنا أبو الزبير ، عن رجل صالح من أهل المدينة ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، قال : كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار ، فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد ، فخطبها عم ولدها ورجل آخر إلى أبيها ، فأنكح الآخر ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : أنكحني أبي رجلا لا أريده ، وترك عم ولدي ، فيؤخذ مني ولدي ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها ، فقال : أنكحت فلانا فلانة ؟ قال نعم ، قال : " أنت الذي لا نكاح لك ، اذهبي فانكحي عم ولدك " ، فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت ، بل أنكحها عم الولد لتبقى لها الحضانة ، ففيه دليل على سقوط الحضانة بالنكاح ، وبقائها إذا تزوجت بنسيب من الطفل . واعترض أبو محمد ابن حزم على هذا الاستدلال بأن حديث عمرو بن شعيب صحيفة ، وحديث أبي سلمة هذا مرسل ، وفيه مجهول . وهذان الاعتراضان ضعيفان ، فقد بينا احتجاج الأئمة بعمرو في [ ص: 408 ] تصحيحهم حديثه ، وإذا تعارض معنا في الاحتجاج برجل قول ابن حزم ، وقول البخاري ، وأحمد ، وابن المديني ، والحميدي ، وإسحاق بن راهويه ، وأمثالهم ، لم يلتفت إلى سواهم .

وأما حديث أبي سلمة هذا ، فإن أبا سلمة من كبار التابعين وقد حكى القصة عن الأنصارية ، ولا ينكر لقاؤه لها ، فلا يتحقق الإرسال ، ولو تحقق فمرسل جيد ، له شواهد مرفوعة وموقوفة ، وليس الاعتماد عليه وحده ، وعنى بالمجهول الرجل الصالح الذي شهد له أبو الزبير بالصلاح ، ولا ريب أن هذه الشهادة لا تعرف به ، ولكن المجهول إذا عدله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته ، وإن كان واحدا على أصح القولين ، فإن التعديل من باب الإخبار والحكم لا من باب الشهادة ، ولا سيما التعديل في الرواية فإنه يكتفى فيه بالواحد ، ولا يزيد على أصل نصاب الرواية ، هذا مع أن أحد القولين : إن مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له ، وإن لم يصرح بالتعديل ، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد ، وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله ، فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته ، لا سيما إذا لم يكن معروفا بالرواية عن الضعفاء والمتهمين ، وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس فليس معروفا بالتدليس عن المتهمين والضعفاء ، بل تدليسه من جنس تدليس السلف ، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح ، وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين .

واحتج أبو محمد على قوله بما رواه من طريق البخاري ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس قال : ( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس له خادم ، فأخذ أبو طلحة بيدي ، وانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أنسا غلام كيس ، فليخدمك . قال فخدمته في السفر والحضر ) وذكر الخبر .

[ ص: 409 ] قال أبو محمد : فهذا أنس في حضانة أمه ، ولها زوج ، وهو أبو طلحة بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا الاحتجاج في غاية السقوط ، والخبر في غاية الصحة ، فإن أحدا من أقارب أنس لم ينازع أمه فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو طفل صغير ، لم يثغر ، ولم يأكل وحده ، ولم يشرب وحده ، ولم يميز ، وأمه مزوجة ، فحكم به لأمه ، وإنما يتم الاستدلال بهذه المقدمات كلها ، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان لأنس من العمر عشر سنين ، فكان عند أمه ، فلما تزوجت أبا طلحة لم يأت أحد من أقارب أنس ينازعها في ولدها ويقول : قد تزوجت فلا حضانة لك ، وأنا أطلب انتزاعه منك ، ولا ريب أنه لا يحرم على المرأة المزوجة حضانة ابنها إذا اتفقت هي والزوج وأقارب الطفل على ذلك ، ولا ريب أنه لا يجب ، بل لا يجوز أن يفرق بين الأم وولدها إذا تزوجت من غير أن يخاصمها من له الحضانة ، ويطلب انتزاع الولد ، فالاحتجاج بهذه القصة من أبعد الاحتجاج وأبرده .

ونظير هذا أيضا ، احتجاجهم بأن أم سلمة لما تزوجت برسول الله صلى الله عليه وسلم لم تسقط كفالتها لابنها ، بل استمرت على حضانتها ، فيا عجبا من الذي نازع أم سلمة في ولدها ورغب عن أن يكون في حجر النبي صلى الله عليه وسلم .

واحتج لهذا القول أيضا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بابنة حمزة لخالتها وهي مزوجة بجعفر ، فلا ريب أن للناس في قصة ابنة حمزة ثلاث مآخذ . أحدها : أن النكاح لا يسقط الحضانة . الثاني : أن المحضونة إذا كانت بنتا فنكاح أمها لا يسقط حضانتها ، ويسقطها إذا كان ذكرا . الثالث : أن الزوج إذا كان نسيبا من الطفل لم تسقط حضانتها ، وإلا سقطت ، فالاحتجاج بالقصة على أن النكاح لا يسقط الحضانة مطلقا لا يتم إلا بعد إبطال ذينك الاحتمالين الآخرين .

التالي السابق


الخدمات العلمية