الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الخامسة : ذهب الليث بن سعد من العلماء إلى أن الضيافة واجبة ; لقوله صلى الله عليه وسلم : { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، جائزته يوم وليلة وما وراء ذلك صدقة } . وفي رواية [ أنه قال ] : { ثلاثة أيام ، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه } . وهذا حديث [ صحيح ] خرجه الأئمة ولفظه للترمذي .

                                                                                                                                                                                                              وذهب علماء الفقه إلى أن الضيافة لا تجب ; إنما هي من مكارم الأخلاق وحسن المعاملة بين الخلق ، وتأولوا هذا الحديث بأنه محمول على الندب ، بدليل قوله : { فليكرم ضيفه } ; والكرامة من خصائص الندب دون الوجوب . [ ص: 21 ]

                                                                                                                                                                                                              وقد قال قوم : إن هذا كان في صدر الإسلام ، ثم نسخ ، وهذا ضعيف ; فإن الوجوب لم يثبت والناسخ لم يرد .

                                                                                                                                                                                                              أما إنه قد روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري أنه قال : { نزلنا بحي من أحياء العرب فاستضفناهم ، فأبوا ، فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه . فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا ، لعله أن يكون عندهم شيء ، فقالوا : يا أيها الرهط ; إن سيدنا لدغ ، وقد سعينا له بكل شيء فلم ينفعه ، فهل عند أحد منكم شيء ؟ قال بعضهم : إني والله أرقي ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا ، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا . فصالحوهم على قطيع من الغنم ، فانطلق يتفل عليه ، ويقرأ الحمد لله رب العالمين ، فكأنما أنشط من عقال ، فانطلق يمشي وما به قلبة . قال : فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه . فقال بعضهم : اقسموا ، وقال الذي رقى : لا تفعلوا ، حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان ، فننظر الذي يأمر به . فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك ، فقال : وما يدريك أنها رقية ثم قال : اقسموا واضربوا لي معكم سهما . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم } .

                                                                                                                                                                                                              فقوله في هذا الحديث : فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا ، ظاهر في أن الضيافة لو كانت حقا للام النبي صلى الله عليه وسلم القوم الذين أبوا وبين ذلك لهم ، ولكن الضيافة حقيقة فرض على الكفاية ، ومن الناس من قال : إنها واجبة في القرى حيث لا طعام ولا مأوى ، بخلاف الحواضر ، فإنها مشحونة بالمأويات والأقوات ، ولا شك أن الضيف كريم ، والضيافة كرامة ، فإن كان عديما فهي فريضة .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية