الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
941 - "ارحم من في الأرض؛ يرحمك من في السماء؛ (طب)؛ عن جرير ؛ (طب ك)؛ عن ابن مسعود ؛ (صح).

التالي السابق


(ارحم من في الأرض) ؛ بصيغة العموم؛ يشمل جميع أصناف الخلائق؛ فيرحم البر؛ والفاجر؛ والناطق؛ والمبهم؛ والوحش؛ والطير؛ (يرحمك من في السماء) ؛ اختلف بالمراد بـ " من في السماء" ؛ فقيل: هو الله؛ أي: ارحموا من في الأرض شفقة؛ يرحمكم الله تفضلا؛ والتقدير: يرحمكم من أمره نافذ في السماء؛ أو من فيها ملكه وقدرته وسلطانه؛ أو الذي في العلو والجلال والرفعة؛ لأنه (تعالى) لا يحل في مكان؛ فكيف يكون فيه محيطا؛ فهو من قبيل رضاه من السوداء؛ بأن تقول في جواب: " أين الله؟" ؛ فأشارت إلى السماء؛ معبرة عن الجلال والعظمة؛ لا عن المكان؛ وإنما ينسب إلى السماء لأنها أعظم وأوسع من الأرض؛ أو لعلوها وارتفاعها؛ أو لأنها قبلة الدعاء؛ ومكان الأرواح الطاهرة القدسية؛ وقيل: المراد منه: الملائكة؛ أي: تحفظكم [ ص: 474 ] الملائكة من الأعداء؛ والمؤذيات؛ بأمر الله؛ ويستغفروا لكم؛ ويطلبوا الرحمة من الله الكريم؛ قال الطيبي: ويمكن الجمع بأن يقال: يرحمك بأمره الملائكة أن تحفظك؛ قال (تعالى): له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ؛ وأخرج الروياني في مسنده عن ابن عمر يرفعه: " إن العبد ليقف بين يدي الله (تعالى)؛ فيطول وقوفه حتى يصيبه من ذلك كرب شديد؛ فيقول: يا رب؛ ارحمني اليوم؛ فيقول له: هل رحمت شيئا من خلقي من أجلي فأرحمك؟" ؛ قال الحراني : و" الرحمة" : تحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره؛ وباطنه؛ أدناه كشف الضر؛ وكشف الأذى؛ وأعلاه الاختصاص ورفع الحجاب؛ وفيه ندب إلى العطف على جميع أنواع الحيوان؛ وأهمها وأشرفها الآدمي المسلم؛ والكافر المعصوم؛ فيعطف عليهم بالمواساة والمعونة والمواصلة؛ فيوافق عموم رحمة الله للكل بالإرفاق؛ وإدرار الأرزاق؛ وقال وهب : من يرحم؛ يرحم؛ ومن يصمت؛ يسلم؛ ومن يجهل؛ يغلب؛ ومن يعجل؛ يخطئ؛ ومن يحرص على الشر؛ لا يسلم؛ ومن يكره الشر؛ يعصم؛ وقال عيسى - عليه السلام -: " لا تنظروا في عيوب الناس كأنكم أرباب؛ انظروا فيها كأنكم عبيد؛ إنما الناس مبتلى؛ ومعافى؛ فارحموا أهل البلاء؛ واحمدوا الله على العافية" ؛ وهنا دقيقة؛ وهي أن العارف المرصفي قال: يجب على الفقير إذا تخلق بالرحمة على العالم؛ ألا يتعدى بالرحمة موطنها؛ فيطلب أن يكون العالم كله سعيدا ؛ فإنه (تعالى) يقول: وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ؛ وقال: ما يبدل القول لدي ؛ ورئي الغزالي في النوم؛ فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال: " بم جئتني؟" ؛ فذكرت أنواعا من الطاعات؛ فقال: " ما قبلت منها شيئا؛ لكنك جلست تكتب؛ فوقعت ذبابة على القلم؛ فتركتها تشرب من الحبر؛ رحمة لها؛ فكما رحمتها؛ رحمتك؛ اذهب؛ فقد غفرت لك" ؛ انتهى؛ والرحمة في حقنا رحمة وحنو يقتضي الإحسان؛ وذلك تغير يوجب للمتصف به الحدوث؛ والله تقدس عن ذلك؛ وعن نقيضه الذي هو القسوة والغلظة؛ فهو راجع في حقه إلى ثمرة تلك الرقة؛ وفائدتها؛ وهو اللطف بالمبتلى؛ والضعيف؛ وكشف ضره؛ والإحسان إليه؛ ذكره القرطبي وغيره؛ وقال ابن عطاء الله: من اطلع على أسرار العباد؛ ولم يتخلق بالرحمة الإلهية؛ فاطلاعه فتنة عليه؛ وسبب لجر الوبال إليه؛ وإليه أشار ابن الفارض بقوله:


وإياك والإعراض عن كل صورة ... مموهة أو حالة مستحيلة



فمن تخلق بالرحمة الإلهية؛ وهي العامة لجميع الخلق؛ الطائع؛ والعاصي؛ بواسطة شهادة فعل الله؛ عذر الخلق؛ ورحمهم؛ لكونه لم يشهد لهم فعلا؛ بل يشهد أفعال الحق تتصرف فيهم؛ وتجرى مجرى القدر؛ وهم محجوبون عن ذلك بواسطة أفعال النفس؛ وظلمتها؛ فيرحمهم الله من غير اعتراض عليه؛ ويعذرهم من غير أن يقف مع شيء من ذلك.

(طب؛ عن جرير) ؛ البجلي ؛ قال الهيتمي: رجاله رجال الصحيح؛ (طب ك) ؛ من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار ؛ عن ابن قابوس؛ (عن ابن مسعود ) ؛ رواه من هذا الطريق البخاري في الأدب المفرد؛ وأحمد ؛ وأبو داود ؛ والترمذي ؛ وقال: حسن صحيح؛ وصححه الحاكم ؛ وأقره الذهبي ؛ وقال ابن حجر: رواته ثقات؛ واقتفاه المصنف؛ فرمز لصحته؛ قال السخاوي : وكان تصحيح الحاكم باعتبار ما له من المتابعات والشواهد؛ وإلا فأبو قابوس لم يروه عنه سوى ابن دينار؛ ولم يوثقه سوى ابن حبان على قاعدته في توثيق من لم يجرح؛ ومن شواهده ما عقبه به المصنف بقوله:



الخدمات العلمية