الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                            صفحة جزء
                                                            وعن نافع عن ابن عمر أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية تعتقها فقال أهلها نبيعها على أن ولاءها لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق كذا هو عند البخاري من طرق وقال مسلم عن ابن عمر عن عائشة فجعله من حديثها .

                                                            [ ص: 238 ]

                                                            التالي السابق


                                                            (الحديث الثاني)

                                                            وعن نافع عن ابن عمر أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أرادت أن تشتري جارية فتعتقها فقال أهلها نبيعكها على أن ولاءها لنا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يمنعك ذلك فإنما الولاء لمن أعتق رواه البخاري وجعله مسلم من [ ص: 233 ] رواية ابن عمر عن عائشة .

                                                            (فيه) فوائد:

                                                            (الأولى) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي من هذا الوجه من طريق مالك ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى هو النيسابوري عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عائشة أنها أرادت فجعله من مسند عائشة وكذا رواه الشافعي عن مالك فيما رواه عنه الربيع ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى والمعرفة وحكى ابن عبد البر الأول عن أكثر رواة الموطإ والثاني عن رواية يحيى بن يحيى كما ذكرته، وقد عرفت موافقة الشافعي له، ولا يقال: مذهب الجمهور إن حكم أن حكم عن، فلا تفاوت بين اللفظين ؛ لأن ذلك إنما هو لو قال ابن عمر أن عائشة قالت فأسند القصة إليها وهو في اللفظ المشهور لم يسند القصة إليها وإنما حكاها من نفسه ولعائشة رضي الله عنها فيها مجرد ذكر وعلى كل حال فالحديث صحيح متصل، وقد روي حديث عائشة هذا عنها من طرق منتشرة، وقال ابن عبد البر ليس في شيء من أخبار بريرة أصح من هذا الإسناد عن ابن عمر . انتهى.

                                                            واشتمل حديثها على أحكام مهمة وأمور مشكلة، وقد صنف في فوائده الإمامان الكبيران ابن خزيمة وابن جرير وبسطا الكلام عليه ولسنا نذكر في الكلام على هذا الحديث إلا ما استفيد من رواية ابن عمر المذكورة هنا والله أعلم.

                                                            (الثانية) استدل به على جواز البيع بشرط العتق ومن منع ذلك قال ليس فيه تصريح باشتراطه، ولا يلزم من نيتها ذلك أن تصرح باشتراطه في نفس البيع، ومن أجاز قال: اشتراط الولاء لهم يدل على شرط العتق فإنه فرعه، ومن منع قال قد يكونون إنما اشترطوا الولاء إن أعتقتها يوما من الدهر من شرط العتق. ومن أجاز قال: لا يمكن الحمل على هذه الصورة فإنها ليست من محل الخلاف بل هي موضع اتفاق على المنع، وقد منع الحنفية البيع بشرط العتق وطردوا فيه قياس الشروط المنافية لمقتضى العقد في بطلانها في نفسها وإبطالها العقد وهو [ ص: 234 ] قول عن الشافعي وأحمد .

                                                            وقال المالكية بصحة البيع والشرط، وأخرجوه من ذلك القياس اتباعا للسنة وحكمته تشوف الشارع للعتق، وهذا هو الصحيح من أقوال الشافعي والمشهور عن أحمد وهو قول الجمهور وللشافعي قول ثالث: أنه يصح البيع، ويبطل الشرط ثم محل الصحة ما إذا شرط تنجيز العتق فلو شرط تدبير العبد أو كتابته أو تعليق عتقه على صفة أو عتقه بعد شهر فالأصح عند الشافعية في الصور كلها أنه لا يصح البيع، وكذلك لو شرط مع العتق دون الولاء للبائع فالمذهب الذي قطع به الجمهور أن البيع باطل وحكى بعضهم قولا أنه صحيح ويلغو الشرط خاصة وانفرد إمام الحرمين بنقله وجها أنه يصح هذا الشرط ولا يعرف ذلك لغيره ومحل الخلاف عند الشافعية أيضا أن يطلق أو يقول بشرط أن تعتقه عن نفسك فإن قال بشرط أن تعتقه عني فهو لاغ .



                                                            (الثالثة) هذه الجارية هي بريرة وكانت مكاتبة وهذا يدل على جواز بيع المكاتب ، وقد اختلف فيها على أقوال الجواز والمنع والتفصيل بين أن يبيعه للعتق فيجوز أو للاستخدام فيمتنع، فممن جوزه عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل في المشهور عنه وأبو ثور وبه قال مالك في رواية عنه والشافعي في القديم قال هؤلاء: ولا تبطل الكتابة بذلك بل ينتقل للمشتري مكاتبا فإذا أدى إليه النجوم عتق، وكان الولاء للمشتري وقال بعض الشافعية : يكون الولاء للبائع. وقال بعضهم: ترتفع الكتابة وهما ضعيفان وممن منع بيعه مطلقا أبو حنيفة ومالك في المشهور عنه والشافعي في قوله الجديد وحكي عن ابن مسعود وربيعة وحكى ابن عبد البر عن الزهري وأبي الزناد وربيعة أنه لا يجوز بيعه إلا برضاه. ونص عليه الشافعي في اختلاف الحديث وقال: من لقيناه من المفتين لم يختلفوا في ألا يباع المكاتب قبل أن يعجز ويرضى بالبيع، وهم لا يجهلون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                            وجعل شيخنا الإمام سراج الدين البلقيني ذلك قيدا وقال: محل بطلان بيع المكاتب على الجديد ما لم يرض بالبيع، وحكى هذا النص وبحث شيخنا المذكور أنه يجوز بيعه بشرط العتق، وإن لم يرض استنباطا من هذا الحديث وقال بيع الرقيق بشرط العتق إنما استفيد من حديث بريرة ، وقد كانت مكاتبة فيجوز بيع المكاتب [ ص: 235 ] بشرط العتق رضي أم لم يرض ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لعائشة أن تشتري بريرة ولم يعتبر رضاها. قال: ومحل الحديث لا يخرج وهو قريب من العموم الوارد على سبب فإن السبب لا يخرج كما في الولد للفراش فإن السبب كان في أمة. انتهى.

                                                            والمانعون من بيعه مطلقا منهم من أجاب بأن المبيع نجومها لا رقبتها ومنهم من أجاب بأنها عجزت نفسها وفسخوا الكتابة والأول جواب من يجوز بيع نجوم المكاتب وهو مذهب مالك والثاني جواب من يمنع ذلك وهم الشافعية .



                                                            (الرابعة) قوله لا يمنعك ذلك بالجزم على النهي قال الخطابي معناه إبطال ما شرطوه من الولاء لغير المعتق (قلت) ظاهره أنه لم ير ما أرادوه من اشتراط الولاء للبائع مانعا من الشراء على الوجه الذي أرادوه فإن اشتراط ذلك لا يضر شيئا ؛ لأن حكم الشرع أن الولاء للمعتق فلا يضر اشتراط خلافه، وقد ورد التصريح بذلك في قوله في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق وهي في الصحيحين وفي ذلك إشكال من وجهين:

                                                            (أحدهما) أن البيع يفسد باشتراط الولاء لهم كما تقدم فكيف يثبت مع ذلك عتق وولاء.

                                                            (الثاني) كيف يأذن لها في اشتراط ما لا يصح ولا يحل للمشترطين، وفي ذلك خداع لهم يصان عنه الشرع ولهذا أنكر بعضهم هذا اللفظ وذلك محكي عن يحيى بن أكثم وهذا ضعيف لثبوته في الصحيحين كما تقدم وقال بعضهم اللام في قوله (لهم) بمعنى على أي اشترطي عليهم كما في قوله تعالى ولهم اللعنة وهذا محكي عن الشافعي والمزني وضعفه بعضهم فإنه عليه الصلاة والسلام أنكر عليهم الاشتراط ولو كان كما قاله صاحب هذا التأويل لم ينكره.

                                                            وقد يجاب عن هذا بأنه إنما أنكر ما أرادوا اشتراطه في أول الأمر، وقيل: إن المراد بالاشتراط هنا ترك المخالفة لما شرطه البائع، وعدم إظهار النزاع فيه، وقد يعبر عن التخلية بصيغة تدل على الفعل كما في قوله تعالى وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وقيل: إن ذلك عقوبة لمخالفتهم حكم الشرع بعد معرفتهم به فعاقبهم في المال بتحسير ما نقصوا من الثمن في مقابلة كون الولاء لهم وقيل معنى اشترطي لهم الولاء أظهري حكم الولاء ومنه أشراط الساعة وقيل [ ص: 236 ] المراد الزجر والتوبيخ لهم ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط غير جائز فلما لحوا في اشتراطه ومخالفة الأمر قال لعائشة هذا الكلام بمعنى لا تبالي سواء شرطتيه أم لا فإنه شرط باطل مردود ؛ لأنه قد سبق بيان ذلك لهم فعلى هذا لا تكون لفظة اشترطي هنا للإباحة. وقيل كان يباح اشتراط الولاء للبائع مع كونه لا يثبت له ثم نسخ بخطبة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا جواب ابن حزم الظاهري وقال النووي في شرح مسلم : الأصح في تأويل الحديث ما قاله أصحابنا في كتب الفقه: أن هذا الشرط خاص في قصة عائشة واحتمل هذا الإذن وإبطاله في هذه القضية الخاصة، وهي قضية عين لا عموم لها.

                                                            قالوا: والحكمة في إذنه فيه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك وزجرهم عن مثله كما أذن لهم صلى الله عليه وسلم في الإحرام بالحج في حجة الوداع ثم أمرهم بفسخه وجعله عمرة بعد أن أحرموا بالحج وإنما فعل ذلك ليكون أبلغ في زجرهم وقطعهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد يحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل مصلحة عظيمة. انتهى.

                                                            وإذا عرفت هذه الأجوبة تبين لك ضعف استدلال من استدل به على اختصاص البطلان بالشرط الفاسد، وأن ذلك لا يتعدى إلى العقد بل يكون العقد صحيحا والشرط فاسدا، وقد استدل به على ذلك النسائي وبهذا قال ابن أبي ليلى وطائفة والجمهور على خلافه .



                                                            (الخامسة) في قوله إنما الولاء لمن أعتق ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه ، وأنه يرث به سواء كان المعتق رجلا أو امرأة وهذا مجمع عليه، وفيه أن العتيق لا يرث سيده لحصره عليه الصلاة والسلام الولاء في المعتق وبه قال الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة، وذهب جماعة من التابعين إلى أنه يرث كعكسه .



                                                            (السادسة) ودخل فيه ما لو أعتقه على مال أو باعه نفسه أو كاتبه فعتق بالأداء أو استولد أمة فعتقت بموته ففي كل هذه الصور يثبت الولاء، وكذا يتناول الولاء للمسلم على الكافر وعكسه، وإن كانا لا يتوارثان في الحال، وهو كذلك عند أهل العلم إلا أنهم اختلفوا في الصورة الأخيرة وهي إعتاق الكافر العبد المسلم فقال بمقتضى الحديث فيها الشافعية والحنفية والحنابلة والجمهور، وقال [ ص: 237 ] المالكية لا يثبت له عليه ولاء، ولو أسلم بعد ذلك، ولا لورثته، ولو كانوا مسلمين ذلك الوقت وولاؤه لجماعته المسلمين .



                                                            (السابعة) ودخل فيه أيضا ما لو أعتق عبده سائبة أي على أن لا ولاء له عليه فيثبت له عليه الولاء ويرثه وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وابن نافع المالكيان، وحكي عن الشعبي وعطاء والحسن وابن سيرين وضمرة بن حبيب وراشد بن سعد . والمشهور عند المالكية أنه لا يرثه، وأن ولاءه لجماعته المسلمين وحكي ذلك عن الزهري وربيعة وأبي الزناد وعمر بن عبد العزيز وأبي العالية وعطاء وعمرو بن دينار وحكي عن الزهري أيضا والأوزاعي والليث بن سعد أن للسائبة أن يوالي من يشاء فإن مات ولم يوال أحدا فولاؤه لجماعته المسلمين حكى ذلك جميعه ابن عبد البر .



                                                            (الثامنة) اختلف العلماء فيما لو أعتق الرجل عبد نفسه عن غيره فقال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إن كان ذلك بأمره فولاؤه للمعتق عنه سواء كان بعوض أو بغيره، وإن لم يكن بأمره فالولاء للمعتق. وقال أبو حنيفة والثوري : إن كان بعوض فالولاء للمعتق عنه، وإن كان بغيره ؛ لأنها هبة باطلة لعدم القبض وقال مالك والليث بن سعد وأبو عبيد القاسم بن سلام الولاء للمعتق عنه مطلقا، ولو كان بغير أمره إلا أن يكون نصرانيا فالولاء لجماعة المسلمين، والحديث حجة للأول ؛ لأنه متى كان بأمره فالعتق عنه والمباشر وكيل ومتى كان بغير أمره فلا يمكن دخوله في ملكه قهرا فالمعتق هو المباشر فاندرج ذلك في قوله: إنما الولاء لمن أعتق .



                                                            (التاسعة) فيه أن كلمة إنما للحصر ولولا ذلك لما لزم في إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره لكنها ذكرت لبيان نفيه عمن لم يعتق فدل على أن مقتضاها الحصر إذا تقرر ذلك ففيه أنه لا ولاء للإنسان على من أسلم على يديه وبه قال مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وسفيان الثوري وداود والجمهور. وقال أبو حنيفة وربيعة والليث بن سعد : من أسلم على يديه رجل فولاؤه له وقال يحيى بن سعيد الأنصاري إن كان حربيا فولاؤه للذي أسلم على يديه وإن كان ذميا فللمسلمين عامة .



                                                            (العاشرة) وفيه أيضا أنه لا ولاء لملتقط اللقيط وبه قال مالك والشافعي وأحمد والجمهور. وقال إسحاق بن راهويه : يثبت للملتقط الولاء على اللقيط .



                                                            [ ص: 238 ] (الحادية عشرة) وفيه أيضا أنه لا ولاء لمن حالف إنسانا على المناصرة وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة : يثبت الولاء للحلف ويتوارثان به وحكي عن طائفة من السلف وعن سعيد بن المسيب إن عقل عنه ورثه وإلا فلا .



                                                            (الثانية عشرة) فيه رد على من قال: إن المكاتب يصير حرا بنفس الكتابة ويثبت المال في ذمته، ولا يرجع إلى الرق أبدا ؛ لأنه لو عتق لم يصح بيعه، وهذا محكي عن بعض السلف وعن بعضهم أنه إذا أدى نصف المال صار حرا ويصير الباقي دينا عليه، وحكي عن عمر وابن مسعود وشريح مثل هذا إذا أدى الثلث وعن عطاء مثله إذا أدى ثلاثة أرباع المال، وعن علي ومروان بن الحكم وعكرمة أنه يعتق منه بقدر ما أدى، وعن جابر بن عبد الله إن شرط أن يعود في الرق إن عجز كان ذلك، وإن شرط أن يعتق منه بقدر ما أدى فهو كذلك. والذي عليه جمهور العلماء من السلف والخلف وبه قال الأئمة الأربعة: أنه عبد ما بقي عليه درهم، وقد صرح به في الحديث المشهور في سنن أبي داود وغيره .



                                                            (الثالثة عشرة) وفيه أن الحربي لو أعتق عبده ثم أسلما استمر ولاؤه عليه وبه قال الشافعي واستحسنه أبو يوسف وقال ابن عبد البر : إنه قياس قول مالك وقال أبو حنيفة : للعتيق في هذه الصورة أن يتولى من يشاء ولا يكون ولاؤه للمعتق .




                                                            الخدمات العلمية