الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون

لما ذكر تعالى حالة الناس متى تأتيهم شدة وضر ونجوا منه إلى سعة، ذكر في هذه الآية الأمر أيضا من الطرف الآخر بأن ذكر الرحمة ثم تعقب الشدة، فلهم في الرتبة الأولى تضرع ثم إشراك، ولهم في الثانية فرح وبطر ثم قنوط ويأس، وكل أحد يأخذ من هذه الخلق بقسط، فمنهم المقل والمكثر، إلا من ربطت الشريعة على قلبه، وتأدب بأدب الله تعالى، فصبر عند الضراء، وشكر عند السراء، ولم يبطر عند النعمة، ولم يقنط عند الابتلاء. وقوله تعالى: بما قدمت أيديهم ، أي إن الله يمتحن الأمم، ويصيب منهم عند فشو المعاصي وظهور المناكر، وكذلك قد يصاب شخص بسوء أعماله بشيء وحده، ويعفو الله عن كثير. والقنوط: اليأس، وقرأ أبو عمرو ، وجماعة. "يقنطون" بكسر النون، وقرأ نافع ، والحسن ، وجماعة بفتحها.

وجواب الشرط في قوله: ( إن تصبهم ) قوله; "إذا هم"، وذلك أنها للمفاجأة لا يبتدأ بها; لأنها بمنزلة الفاء، ويجاب بها الشرط، وأما التي للشرط أو التي فيها معنى الشرط فيبتدأ بهما.

ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله تعالى على حال، وهو أن الله تبارك وتعالى يخص من يشاء من عباده ببسط الرزق، فينبغي لكل عبد أن يكون راجيا ما عند ربه، ثم أمر تعالى نبيه أمرا تدخل الأمة فيه، وهذا على جهة الندب [ ص: 28 ] إلى إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول.

قال الحسن: حقه المواساة في اليسر، قال: ومعظم ما قصد أمر المعونة بالمال، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "في المال حق سوى الزكاة"، وذلك للمسكين وابن السبيل حق، وبين أن حق هذين إنما هو في المال وغير ذلك، وكذلك يلزم القريب المعدم الذي يقضي حقه أن يقضي أيضا حق قريبه في جودة العشرة، و"وجه الله" هنا جهة عبادته ورضاه، و"المفلحون": الفائزون ببغيتهم، البالغون لآمالهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية