الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                  صفحة جزء
                                                                  ما أسند أبو سفيان صخر بن حرب

                                                                  7269 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، حدثني أبو سفيان بن حرب ، من فيه إلى أذني قال : انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل ، قال : وكان دحية الكلبي جاء به ، فدفعه إلى عظيم بصرى ، فدفعه إلى هرقل ، فقال هرقل : ههنا رجل من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قالوا : نعم . قال : فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه ، فقال : أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قال أبو سفيان : قلت : أنا . فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي ، ثم دعا بترجمانه ، فقال : قل لهم : إني سائل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ، فإن كذبني فكذبوه ، فقال أبو سفيان : وايم الله ، لولا أن يؤثر علي الكذب لكذبت ، ثم قال لترجمانه : [ ص: 15 ] سله : كيف حسبه فيكم ؟ قال : هو فينا ذو حسب . قال : فهل كان من آبائه ملك ؟ قلت : لا . قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت : لا . قال : من يتبعه أشراف الناس ، أم ضعفاؤهم ؟ قال : قلت : بل ضعفاؤهم . فقال : أيزيدون ، أم ينقصون ؟ فقلت : لا ، بل يزيدون . قال : فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطا له ؟ قلت : لا . قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم . قال : فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت : يكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه في هدنة لا ندري ما هو صانع فيها . قال : فوالله ، ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه . قال : فهل قال هذا القول أحد قبله . قلت : لا . قال لترجمانه :

                                                                  قل له : إني سألتك عن حسبه ، فزعمت أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها ، وسألتك هل كان من آبائه ملك فزعمت أن لا ، فقلت : لو كان من آبائه ملك قلت : رجل يطلب ملك آبائه ، وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم ؟ فقلت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل ، وسألتك هل أنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ، ثم يذهب فيكذب على الله ، وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطا له ؟ فزعمت أن لا ، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب ، وسألتك هل يزيدون أم ينقصون ؟ فزعمت أنهم يزيدون ، وكذلك الإيمان حتى يتم وسألتك هل قاتلتموه ؟ فزعمت أنكم قاتلتموه فيكون الحرب بينكم وبينه سجالا ينال منكم وتنالون منه ، وكذلك الرسل تبتلى ، ثم تكون لهم العاقبة ، وسألتك هل يغدر ؟ فزعمت أنه لا يغدر ، وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك : هل قال هذا القول أحد قبله ؟ فزعمت أن لا ، فقلت : لو كان قال هذا القول أحد قبله قلت رجل ائتم بقول قيل قبله ، ثم قال : فبما يأمركم ؟ قلت : يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة [ ص: 16 ] والعفاف . قال : فإن يك ما تقول فيه حقا إنه نبي ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، ولم أكن أظنه منكم ، ولو كنت أعلم أني أخلص لأحببت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي ، ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأه ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، وإن تركت فإن عليك إثم الأريسيين ، و ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلى قوله بأنا مسلمون ، فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط ، وأمر بنا فأخرجنا فقلت لأصحابي حين خرجنا : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه ليخافه ملك بني الأصفر ، فما زلت موقنا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام .

                                                                  قال الزهري : " فدعا هرقل عظماء الروم ، فجمعهم في دار له ، فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد ؟ وأن يثبت لكم ملككم ؟ قال : فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب ، فوجدوها قد غلقت ، فدعا بهم : إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم فقد رأيت منكم الذي أحببت ، فسجدوا له ورضوا عنه
                                                                  " .

                                                                  التالي السابق


                                                                  الخدمات العلمية