الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أنصح صديقاتي لترك متابعة الممثلين والممثلات والانشغال بهم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد أن أسأل عن شيء مهم لي وللكثير من الناس من معارفي؛ ففي الآونة الأخيرة تم إنشاء مجموعة فتيات من أجل دعم ممثل وممثلة، وأنا أرى أنهن يرسلن صوراً ومقاطع محرمة، كالعناق واللمس، وحتى شرب النبيذ، إضافة إلى التصميم عليها وغيرها، وأرى أنهن يسهرن الليالي في كلام فارغ عنهما وعن الحب والعلاقات، وكلما نصحتهن قلن: "دعكِ منا" أو "اخرجي"، وإذا أردتِ النصيحة فهاتيها بأسلوب جيد ومع الدليل.

آمل أن تجيبوا عن تساؤلي فضلاً منكم، وأسأل الله أن يكون ذلك في أقرب وقت.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك طلب الاستشارة من موقعك إسلام ويب، وحرصكِ على السؤال يدل على قلب حيّ وضمير واعٍ، وهذا أمر جميل في سنّك، فليس كل من في هذه المرحلة العمرية ينتبه لخطورة ما يُعرض عليه أو يُطلب منه متابعته، وما ترينه من هذه المجموعات ليس أمرًا بسيطًا كما يُصوَّر، بل هو انشغال يجرّ صاحبه خطوة خطوة إلى ما لا يرضي الله، ويؤذي النفس دون أن تشعر.

من الناحية الشرعية: فإن تبادل الصور والمقاطع التي فيها عناق أو لمس، أو الترويج لشرب الخمر، أو إثارة مشاعر الحب بين بنت وولد خارج إطار الحلال، كلها أمور نهى الله عنها، ليس لأن الدين يريد التضييق، بل لأنه يريد حماية القلب وكرامته، فالله تعالى يقول: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾، أي: لا تقتربوا من الطرق التي توصل إليه، ومن هذه الطرق متابعة هذه المشاهد والتعلق بها، وقال النبي ﷺ: «العينان تزنيان وزناهما النظر»، ليُبيّن أن البداية تكون غالبًا نظرة أو متابعة ثم تعلّق.

ومن الناحية النفسية: فإن السهر الطويل والكلام المتكرر عن المشاهير والعلاقات؛ يجعل الفتاة تعيش في عالم وهمي، وتقارن نفسها بحياة غير حقيقية، فتشعر أحيانًا بالحزن أو النقص أو التشتت، وقد تفقد إحساسها بخطورة الخطأ مع كثرة التكرار، وهذا يؤثر على ثقتها بنفسها، وعلى تركيزها في دراستها وحياتها الواقعية.

أما نصحكِ لصديقاتكِ، فمحاولتكِ في حد ذاتها أمر طيب، لكن تذكّري أن عليكِ إيصال الفكرة بلطف فقط، وليس إجبارهن على القبول، يمكنكِ أن تقولي مثلًا: أنا أخاف على نفسي وعليكن من شيء يغضب الله ويؤذينا نفسيًا، مع ذكر دليل بسيط دون جدال أو تعالٍ، فإن لم يتقبلن، فلا ذنب عليكِ، وليس من الخطأ أن تنسحبي بهدوء من المجموعات التي تضركِ، فحماية القلب في هذا العمر مهمّة جدًا.

اختاري ما يقوّي علاقتكِ بالله، ويُشعركِ بالراحة والاحترام لنفسكِ، فكل ما يُبعدكِ عن الطمأنينة ويجرّكِ للذنب أو التشتت، فتركه قوة لا ضعف.

وأسأل الله أن يحفظكِ، ويشرح صدركِ، ويعوضكِ بصحبة صالحة تشبه نقاء قلبكِ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الدكتور إبراهيم أحمد عطية (استشاري نفسي اجتماعي)
وتليها إجابة الدكتور أحمد سعيد الفودعي (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرحبًا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب.

قد أفادك -الأخ الفاضل- الدكتور إبراهيم بما يفيد وينفع من نواحٍ عديدة، ونزيد الأمر إيضاحًا وبيانًا من الناحية الشرعية، ببيان بعض الأدلة التي يمكنك أن تعتمدي عليها في نصيحتك لهؤلاء الأخوات.

ونؤكد أولًا -أيتها البنت الكريمة- أن النصيحة ينبغي أن تكون برفق ولين، ما دام الرفق نافعًا، فقد قال الرسول ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفقُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، وما نُزِعَ من شيءٍ إلَّا شانَهُ»، كما أن الناصح ينبغي ألَّا يستعمل النصيحة بأسلوب متعالٍ على الآخرين، فإن ذلك من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى نُفرة الإنسان المنصوح، فاتباع آداب النصيحة أمر في غاية الأهمية لتؤتي النصيحة ثمرتها.

وأمَّا الأدلة الشرعية التي يمكن الاعتماد عليها في المنع من هذه التصرفات التي ذكرتها في سؤالك فنقول: أمَّا الكلام الذي لا فائدة فيه، فإن الله -سبحانه وتعالى- قد وصف المؤمنين أهل الجنة في سورة المؤمنون بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾واللغو من الكلام: هو الساقط الذي لا فائدة منه، وإذا كان الإنسان المؤمن متصفًا بهذا الوصف -وهو الامتناع عن الكلام الفارغ الذي لا فائدة من ورائه في دين أو دنيا-؛ فإنه أبعد ما يكون عن الكلام المحرم، والكلمة قد يصل بها الإنسان إلى أعلى مراتب الجنان، وقد يهوي بها في النار، كما وردت بذلك الأحاديث الكثيرة عن الرسول ﷺ، قال: «رُبَّ كلمةٍ لا يُلقي لها الإنسانُ بالًا، يَهوي بها في النَّارِ أبعدَ ما بينَ المشرقِ والمغربِ».

وأمَّا نشر الصور المحرمة مما فيه إثارة للشهوات -ومن باب أولى المقاطع المحرمة التي فيها عناق ولمس وغير ذلك- فأدلة تحريم هذا التصرف كثيرة جدًّا، فقد منع الله -سبحانه وتعالى- التعاون على الإثم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

والمشاهد المحرمة -سواء كانت صورًا أو مقاطع أو غير ذلك- تُثير الشهوة وتدعو إلى الفتنة، فربما وقع بسببها أناس كثيرون في معصية الله تعالى، وأقل أنواع المعاصي النظرة المحرمة، النظرة التي فيها شهوة، وقد اتفق الفقهاء على أن النظرة التي تُثير الشهوة محرمة؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقال الرسول ﷺ: «والعينانِ تزنيانِ، وزِناهُما النَّظرُ».

ومن الأدلة الدالة على ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- توعّد من أشاع الفاحشة في المؤمنين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وبلا شك ولا ريب أن الصورة المثيرة للشهوة أبلغ في إثارة الشهوات ونشر الفاحشة؛ أبلغ من الكلمات المحرمة التي نهى الله -سبحانه وتعالى- عنها في سياق هذه الآية، من حيث الكلام عن الزنا ونحو ذلك.

ومن الأدلة أيضًا أن من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، كما ورد بذلك الحديث عن النبي ﷺ: «مَن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثمِ مثلُ آثامِ مَن تبِعَهُ».

والقواعد الشرعية كثيرة، كلها تدل على أن الأمور بمقاصدها ونهاياتها، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد، فما كان وسيلة للحرام فهو حرام، وما كان مُؤديًا إلى معصية فإنه محرم، بل بالغت الشريعة فَسَدَّت الأبواب وأغلقت الذرائع، فمنعت أشياء مباحة؛ لأنها تُؤدِّي إلى أشياء محرمة.

فكل هذه الأدلة يمكن الاستدلال بها لبيان حكم هذه التصرفات، ولكن مع هذا كله لا بد أن يكون الواعظ والناصح والمستدل حكيمًا، بحيث يضع الأشياء في مواضعها، ويأتي إلى النفوس من الأبواب التي يمكن الدخول منها إليها.

نسأل الله تعالى أن يوفقك ويجري الخير على يديك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً