الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المصائب دائمًا تلاحقني رغم اجتهادي في العبادة، فما السبب؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب، عمري خمسة وعشرون عامًا، وكلما أصلّي وأتقرّب إلى ربّي تحدث لي مصيبة من حيث لا أعلم، لذلك توقّفت عن الصلاة حاليًا، وحياتي لا أفهمها؛ فمهما أعمل لا أحصل على مال، ومالي لا أعرف أين يذهب، والمصائب دائمًا تلاحقني، حتى إنّي بدأت أكذب في كل شيء خوفًا من المصيبة.

أرجوكم أن ترشدوني إلى حل.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مؤيد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

ما تمرّ به -أخي الكريم- هو أحد أشكال الاحتيال النفسي الذي تمارسه النفس على صاحبها، في محاولةٍ منها لتبرير واقعٍ معيّن، أو الهروب من مواجهة الحقيقة وأسباب ما يقع من مصائب وابتلاءات، وهذا السلوك يُعرَف في علم النفس بالربط السببي الخاطئ، وهو نتيجة فهمٍ غير صحيح للأحداث، وربطها ذهنيًا ونفسيًا بنتائج عكسية لأعمالٍ معيّنة، وهي في حالتك العبادات كالصلاة وغيرها.

فالذي يحدث معك هو ربطٌ خاطئ بين أداء العبادة وحدوث المصيبة؛ حيث قام العقل بربط الصلاة بوقوع البلاء، ثم بدأ يراقب الأحداث السلبية فقط، ويتجاهل غيرها من النعم والخيرات والأسباب الأخرى، ونتج عن هذا النمط من التفكير خوفٌ وترقّب وقلق، جعلك تربط بين أكثر الأسباب ممارسةً وبين النتيجة الحاضرة في ذهنك، مما زاد من الضغط النفسي، وأفقدك الشعور بالأمان، حتى ظننت أن حياتك كلها تسير نحو الأسوأ، وهو نوع من المبالغة الانفعالية.

كما أن هذا الفعل له دور كبير في تعطيل قدرة الإنسان على التفكير السليم، ويُضعف قابليته للبحث عن حلول منطقية وواقعية، فيجد نفسه أمام حالة من العجز التام، يحصد ثمارها السلبية باستمرار.

فالصلاة -حاشا وكلا- ليست سببًا في جلب المصائب، بل هي سبب الطمأنينة والسكينة والبركة، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وكان رسول الله ﷺ إذا اشتد عليه أمر فزع إلى الصلاة، وكان يقول لبلال رضي الله عنه: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»، وقال الله تعالى عن الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وهكذا سائر العبادات والطاعات، فإن مقاصدها وغاياتها الرحمة، والسكينة، والبناء، والتربية، فإن وجد الإنسان أثرًا غير ذلك فليتهم نفسه، وليراجع طريقة أدائه لهذه العبادات، وعلاقته بالله تعالى عمومًا، وطريقة فهمه ونظرته للحياة؛ حتى لا يمنح النفس الأمارة بالسوء والشيطان فرصة التمادي في هذا الخطأ، لينتهي به الأمر إلى تسويغ سلوكيات وأفعال منحرفة أو معتقدات ضالّة، كترك الصلاة المفروضة، أو استحلال الكذب الممقوت في جميع الملل والفِطَر، والعياذ بالله تعالى.

أخي الكريم: ما يقع للإنسان من ابتلاءات هو بقدر الله تعالى وحكمته، وينبغي أن تؤمن بهذا وتوقن به في نفسك، فهو ليس عقوبة على الطاعة التي يُؤجر عليها العبد، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقد أخبر النبي ﷺ أن أهل الإيمان قد يُبتلون أكثر من غيرهم، فقال: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ»، وهذا يدل على أن الابتلاء قد يكون رفعةً للدرجات، أو تكفيرًا للذنوب، أو اختبارًا للصبر، لا دليل سخطٍ أو غضبٍ أو عقوبة.

لذلك لا بدّ أن تعيد بناء نفسك ونظرتك للحياة؛ فالحياة لا تأتي دائمًا وفق ما تريد أو كما تحب، والإنسان فيها في كفاحٍ وسعي، يفرح حينًا ويحزن حينًا، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.

كما أن العطاء والغِنى في الدنيا ليسا دليلًا على رضا الله تعالى عن العبد؛ فقد أعطى الله قارون وفرعون وأمثالهم من الجبابرة، ثم أهلكهم، وجعل العاقبة للمتقين، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّ رِي زْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، وهذا التفضيل لحكمة وغاية، كما أن الحرمان أو التقتير لحكمة وغاية.

والسعيد مَن أدرك أن الخير فيما اختاره الله تعالى؛ فكم من غنيٍّ كان ماله سببًا في فساده وظلمه وفجوره، وكم من فقيرٍ كان فقره سببًا في صلاحه ورحمته وسعادته، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، وجاء في الحديث القدسي: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي لَمَنْ يُصْلِحُ لَهُ الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي لَمَنْ يُصْلِحُ لَهُ الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَفَسَدَ حَالُهُ»، فهو سبحانه يعطي بقدر، ولا يمنع إلا بحكمة.

أخي الكريم: اجتهد في بذل الأسباب التي تعينك على تحقيق ما تريد؛ فابحث عن أسباب المصائب وإمكانية دفعها، وأسباب النجاة منها، واجتنب الأسباب التي تصرف عنك الرزق واسلك كل ما يعينك على الرزق الحلال، وتعلم الحرف والمهارات فتعدد المهارات تزيد من فرص الرزق.

قد يكون سبب ما تمرّ به ضعف التدبير، أو ضعف الإعداد للأسباب الجالبة للرزق، أو ضعف السعي في الطريق المناسب لقدراتك ومواهبك، أو الرغبة في الرزق السهل، أو الإسراف في الكماليات، فيضيع المال فيما لا نفع فيه ولا فائدة، أو الإنفاق دون بصيرة أو حساب، فلا تدري أين ذهب مالك، أو محق للبركة بسبب ترك الصلاة أو ممارسة الكذب والاحتيال، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ العَبدَ لَيُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه، ولا يردُّ القَدَرَ إلَّا الدُّعاءُ، ولا يَزيدُ في العُمرِ إلَّا البِرُّ».

ابحث -أخي الكريم- في هذه الأسباب، فقد يكون الخلل لديك ولا تعلم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَما أَصابَكُمْ ‌مِنْ ‌مُصِيبَةٍ ‌فَبِما ‌كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.

أخي الفاضل: إن أعطاك الله فبفضله وكرمه، وإن منعك فبعدله وحكمته، فإذا آمنت بهذا وعشت عليه، استراح قلبك وروحك، وامتلكت أسباب الرضا ومفاتيح البركة ولو في القليل.

ثم انظر إلى من هو دونك وأشدّ عسرًا منك حالًا وأكثر ضررًا من واقعك، لتشكر نعمة الله عليك وتفضيله لك، ولو بالقليل، فقد جاء في الحديث:«انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».

أخيرًا -أخي الكريم-: بادر إلى التوبة النصوح من كبيرة ترك الصلاة المفروضة، ومن الوقوع في الكذب والغش والخداع؛ فكل ذلك من سبيل الشيطان الذي يغضب الرحمن، وأحسن الظن بالله تعالى، وأصلح علاقتك به سبحانه؛ فلعلّ الله يضيّق عليك لترفع يد الضراعة إليه، وتعود إليه تائبًا مستغفرًا، فالله كريم، تواب، رحيم.

فالحل -أخي الكريم- ليس بالابتعاد عن الله تعالى، بل العودة إليه سبحانه، والاستعانة به في أوقات الشدة ليكون معك خير معين، لا أن تعصيه وتترك الصلاة، فالفلاح كل الفلاح في المحافظة على الصلاة، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

وفقك الله ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً