الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وسواس قهري يجعلني غاضبة ومتوترة أكثر الوقت، فكيف أتخلص منه؟

السؤال

السلام عليكم

عندي وسواس قهري في العقيدة، مما يجعلني غاضبة أغلب الوقت ومتوترة.

حصل معي موقف أنني غلبني كلام كفري في ذهني، وغلبني الغضب اتفاقًا مع هذا الكلام، وخفت أن أتكلم به؛ لأنني أعلم أن الكلام الكفري في حالة الغضب قد يُؤاخذ به الإنسان، فكتمتُ نَفَسي حتى لا أُخرجه، وبعد أن هدأت بثانيتين أخرجت هذا النَّـفَس سهوًا، فخفت أنني هكذا أخرجت النَّـفَس الذي كنت أكتمه وقت الغضب، وأنني بذلك أخرجت الغضب الذي كان مصاحبًا للكلام الكفري سهوًا.

وحاولت أن أمثل هذا الموقف مع نفسي لكي أحدد ماذا كان قصدي: هل كان نَفَسًا عاديًا أم لا؟ وهذا في حد ذاته أيضًا فعل خطأ!

ماذا أفعل؟ أصبحت خائفة من أن أرتد بهذا الكلام.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يصرف عنكِ شر هذه الوساوس، ويُعجِّل لكِ بالعافية منها، ويُنجيكِ منها.

بدايةً: نحب أن نطمئنكِ -ابنتنا الكريمة- فنقول: إن إسلامكِ سليم صحيح، لا تضره هذه الأفكار الوسواسية التي وردت عليكِ، فواضح جدًّا أنكِ تكرهين هذه الوساوس، وتغضبين لورودها عليكِ، وهذا يكفي للدلالة على صحة إيمانكِ، وأن إسلامكِ في خير، وهذا ليس مبالغة منا، بل هي بشارة النبي ﷺ.

فقد جاء إليه بعض الصحابة يشتكون إليه أمورًا يجدونها في صدورهم، يخافون من البوح بها، والتكلم بها، ويكرهونها، فقال عليه الصلاة والسلام: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ». فجعل النبي ﷺ كراهية الإنسان لهذه الأفكار الوسواسية التي ترد عليه، وقلقه بسببها، وخوفه منها دليلًا واضحًا على وجود الإيمان في قلبه؛ لأنه لولا وجود هذا الإيمان لما كان الإنسان يشعر بهذا التوتر والضيق والكراهية لهذه الأفكار.

فأولًا: اطمئني إلى سلامة إيمانكِ وإسلامكِ، ولكنكِ مطالبة شرعًا بالأخذ بالأسباب التي تدفع عنكِ هذه الوساوس، فهذه الوساوس من الأمراض التي قد يُصاب بها الإنسان، فالمفترض أن يبحث عن الدواء لها، فقد قال النبي ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً»، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».

والدواء لهذه الوساوس يتكون من شقين:

• الشق الأول: الدواء الشرعي المعنوي الروحي.
• الشق الثاني: الدواء المادي الحسي.

أمَّا الشق الأول، وهو الذي نحدثكِ عنه الآن، فقد لخصه النبي عليه الصلاة والسلام بأمور ثلاثة:

• الأمر الأول: اللجوء إلى الله تعالى، وطلب الحماية منه عندما ترد عليكِ هذه الوساوس، فأول ما تهاجمكِ هذه الوساوس قولي: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".

• الأمر الثاني: الإقلاع عنها، وتركها، والاشتغال بغيرها، فإذا كنتِ تريدين الخلاص منها، فينبغي أن تحقريها، وتهمليها، فلا تتفاعلي معها، ولا تحاولي فعل شيء من التحقق من وجود إسلامكِ وسلامته، فالمطلوب منكِ هو تجاهلها تمامًا، وتحقيرها، وعدم الاشتغال بها، وأي مناقشة لها فهو في الحقيقة تقوية لها، وتعزيز لوجودها، وإذا أردتِ الخلاص منها فعليك تحقيرها وإهمالها، فهي أفكار لا تستحق منكِ أي اهتمام، بل المطلوب منكِ شرعًا الإعراض عنها، ولهذا قال النبي ﷺ في هاتين الوصيتين: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ».

فانتهي أنتِ عن التفاعل معها، والاسترسال معها، والبحث عن إجابات لأسئلتها، فكتمكِ لهذا النفس الذي ذكرتِ في سؤالكِ هو في الحقيقة تفاعل معها، وتساؤلكِ بعد ذلك عندما خرج منكِ هذا النفس: هل هو النفس الذي بسببه تصبحين مرتدة عن الإسلام أم لا؟ هو في الحقيقة تقوية وتعزيز لوجود هذه الوساوس، وهي أفكار حقيرة لا تستحق منكِ كل هذا الاهتمام، أعرضي عنها فقط، واشتغلي بأي شيء غيرها، أي شيء ينفعكِ في دينكِ أو دنياكِ، وإذا صبرتِ على هذا الطريق فإنكِ ستتخلصين منها بإذن الله تعالى.

• والوصية الثالثة من النبي -عليه الصلاة والسلام- هي: الإكثار من ذكر الله، والتحصن بذكر الله تعالى، فلازمي ذكر الله، كلما داهمتكِ هذه الأفكار قولي: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، آمَنْتُ بِاللَّهِ"، وانصرفي عنها.

داومي على قراءة القرآن، وحاولي أن تحافظي على أذكار اليوم والليلة، كأذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، ودخول الحمام والخروج منه، فذكر الله تعالى يطرد عنكِ القلق والوساوس، وتجدين معه الطمأنينة والسكينة.

هذا هو العلاج الشرعي المعنوي الروحي لهذه الآفة، ومع هذا ينبغي أن تأخذي بالأسباب الحسية المادية، فتستعيني بالأطباء الثقات، لعلهم يصفون لكِ من الأدوية والتمرينات ما يساعدكِ على تصحيح مزاج الجسد، وإعادته إلى اعتداله.

نسأل الله تعالى أن يصرف عنكِ كل سوء ومكروه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً