الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدي أهملني صغيرا ويشتمني كبيرا، كيف أتجاوز الأمر؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ صغري، ووالدي شخص لا علاقة له بأي شيء، وغير مهتم بنا، رغم أننا نعيش في البيت نفسه، وكان يلقي كل شيء على والدتي -رحمها الله-، وكان يسيء معاملتها ومعاملتنا، ولم نكن نعرف كيف نتحدث معه في أمور تخصنا، وإذا كان هناك موضوع مالي يحتاج فيه إليَّ، كان يتشاجر ويصرخ.

المهم أن هذا الأمر يؤثر فيَّ وفي أختي، وهو الآن كبير في السن ومقعد، ونقوم بكل شيء من أجله، وهو واعٍ ويتحدث، لكنه يضغط علينا، ويشتُمنا، وأنا أحيانًا، نتيجة للضغط، ولأنه يشتمني، رغم أنني أكون قد فعلتُ له شيئًا، أو حملتُ عنه شيئًا، أو نحو ذلك، أصرخ في وجهه.

فما موقفنا في هذه الحالة؟ وهل هذا يُعدُّ عقوقًا؟ وكيف أتجاوز ذلك معه؟ فإذا شتمني، كيف أتجاوز الأمر، وأتمالك أعصابي معه؟ فأنا غير قادر نفسيًا على تحمّل هذا الوضع إطلاقًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أحسن الله تعالى إليك، ورحم والدتك رحمة واسعة، وجزاك خيرًا على قيامك على والدك رغم ما تحمله في نفسك من آثار قديمة مؤلمة؛ فمجرد أنك تسأل: هل هذا عقوق؟ وكيف أتمالك نفسي؟ يدل على أن في قلبك خيرًا وحرصًا على ألا تظلم والدك رغم جراحك.

أخي الكريم؛ الذي تعانيه مفهوم جدًّا؛ فأنت لا تتعامل فقط مع موقف عابر، وإنما مع سنوات من الإهمال والصراخ وسوء المعاملة، ولذلك قد يكون غضبك الحالي متصلًا بألم قديم لم يأخذ حقه من المعالجة، ولكن في الوقت نفسه؛ مرض والدك وكبره وعجزه لا يجعل الإساءة إليك مباحة، كما أن ألمه السابق لا يبرر لك أن تسيء إليه.

• أولًا: هل زجرك له عقوق؟ ليس كل ارتفاع للصوت عقوقًا، لكن إذا وصل الأمر إلى السب، أو الإهانة، أو التحقير، أو تعمد إيذائه، فهذا مما يجب الحذر منه، أما أن تضيق وتغضب ويغلبك الانفعال أحيانًا؛ فهذا ضعف بشري يحتاج إلى مجاهدة وإصلاح، وليس معنى ذلك أنك ابن عاق لمجرد أنك غضبت؛ قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23].

• ثانيًا: عندما يشتمك لا تدخل معه في المعركة، وهذه أهم نقطة في حالتك؛ فلا تحاول إثبات أنك مظلوم في لحظة غضبه، ولا ترد الشتيمة بمثلها؛ لأنك غالبًا ستنتقل من الدفاع عن نفسك إلى خصومة تستنزفك وتؤلمك أكثر، إذا بدأ بالسب ابتعد دقائق إن كان ذلك ممكنًا، وعد إليه بعد أن يهدأ، وتذكر قول النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».

• ثالثًا: افصل بين والدك الحالي ووالدك في ذاكرتك، وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية لك؛ فعندما يشتمك اليوم قد لا يكون غضبك كله بسبب الكلمة الحالية، بل ربما تستحضر داخلك كل السنوات التي شعرت فيها أن أباك لم يكن أبًا لك كما تمنيت، ولذلك يكون الانفعال أكبر من الموقف.

قل لنفسك في تلك اللحظة: "أنا الآن أمام رجل كبير عاجز يحتاج إلى رعاية، ولست مطالبًا اليوم بأن أحل كل ما حدث في طفولتي"، فأنت لست مطالبًا بأن تنسى الماضي، ولا أن تعتبر ما فعله صحيحًا، وإنما المطلوب ألا تجعل أخطاء الماضي تتحكم في أخلاقك اليوم، (وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرا).

• رابعًا: لا تحمل الرعاية وحدك؛ فإن كانت لديك أخت فقسّما المسؤوليات قدر الإمكان، واجعلا لكل واحد منكما أوقاتًا للراحة، وإذا كان هناك قريب موثوق يمكنه المساعدة فاستعينوا به؛ لأن الإرهاق المستمر يجعل الإنسان أسرع غضبًا، حتى مع أحب الناس إليه، واجعلوا الخدمة منظمة: الطعام، والدواء، والنظافة، والمواعيد، والاحتياجات المالية؛ بدلا من أن تكون كل حاجة طارئة عليك طوال اليوم.

• خامسًا: لا تنتظر منه اعتذارًا حتى تستطيع أن تبره؛ فقد يكون هذا مؤلمًا، لكن ربما لن تحصل على الأب الذي كنت تحتاجه في طفولتك، ولن تستطيع الآن إعادة السنوات الماضية؛ فلا تجعل راحتك النفسية معلقة على أن يتغيَّر هو، ويمكنك أن تقول في نفسك: "أنا أبره لأن الله أمرني بالبر، وليس لأن كل ما فعله بي كان صحيحًا"، وهذه من أجمل صور الاحتساب؛ أن تفعل الخير وأنت قادر على الانتقام، ولكن تختار ما يرضي الله تعالى.

وإذا انفلت منك صوتك يومًا فلا تستسلم للشعور بالذنب ولا تقل: "انتهيْت وصرت عاقًا"، بل استغفر الله تعالى، واهدأ، واعتذر إن صدر منك تجاوز، ثم ابدأ من جديد؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}.

أسأل الله أن يرحم والدتك، وأن يجبر ما انكسر في قلبك منذ صغرك، وأن يعينك أنت وأختك على بر والدكما دون أن تنهارا نفسيًا، وأن يرزقكما الصبر والحكمة، وأن يصلح حال والدكما ويخفف عنكم، ويجعل رعايتكم له بابًا عظيمًا للأجر والبركة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً