الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تقدم لي شاب مناسب ولكني أخشى ألا يتفهم عملي في المجال الطبي، فما توجيهكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة طب بشري في الفرقة الثانية، تقدم لي شخص، بشهادة من يعرفه، يعد من أكثر الناس احتراماً وأدباً والتزاماً، وأهله كذلك، وهو ميسور الحال -نحن وإياه في المستوى المادي نفسه-، ومعتمد على نفسه فقط دون أي مساعدة من أهله، وهو خريج معهد نظم ومعلومات، ولكنه يعمل منذ الصغر في مجال الصيدلة والأدوية حتى الآن.

عندما تقدم لخطبتي، قال إنه طموح، وسيفعل أكثر مما هو فيه، ويقوم بترتيب مستقبله بشكل أفضل من وضعه الحالي، وترى أمي أنه على خلق ودين، وتطلب مني الاستخارة والقبول به امتثالاً لحديث النبي -محمد صلى الله عليه وسلم-: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه).

أنا في الأساس لا يهمني المؤهل الدراسي، ولا أشترط الزواج من طبيب، أو من المجال الطبي، ولا أرى السعادة في ذلك، كما لا تهمني نظرة المجتمع في هذه النقطة (فلن يشاركنا المجتمع أو الناس الخلافات أو العقد والمشاكل)، وهذه كانت وجهة نظري حتى من قبل أن يتقدم، بل يهمني خلق الشخص، وأن يتقي الله في معاملته لي، وأن يكون متفهماً، وقدوة حسنة لأولادنا، وأن يساعدني في تكوين بيت سوي وخالي من المشاكل والعقد.

ولكني في حالة تردد بين أمرين:

الأول: إذا وافقت وحدث بيننا -لا قدر الله- عدم تفهم للضغوط، والسهر، والتعب الذي يواجهه طلاب الطب أثناء الدراسة، ورأى أن ذلك مبالغة منه، أو إذا لم يتفهم مواعيد نزول المستشفى والمناوبات (الشيفتات) وعدم تقدير ذلك.

أو إذا تحدثنا عن يومنا العملي سوياً: هل سيرى أن كلامي ذو قيمة مقارنة بكلامه، ويومي ذو قيمة مقارنة بيومه؟ أو إذا حدثت بيننا مشاكل بسبب المؤهل، وشعر بالنقص من داخله، وباستشراف المستقبل، إذا ذهبنا إلى المستشفى سوياً، ورأى أن الناس تعرفني ولا تعرفه إلا بكونه زوجي، فهل يتسبب ذلك في مشاكل، أو شعور بالغيرة من ناحيته تجاهي، أو شعوره بأنني أتعالى عليه؟ أشعر بالقلق من هذه الأشياء.

الثاني: أني أراه مناسباً من حيث الدين، والخلق، والتعامل والأهل، وهو يعمل في المجال الطبي أيضاً كمندوب في شركة أدوية، وسيسهل عليَّ فرصة السفر ونجاحي إذا كان سويّاً نفسياً؛ فليست الشهادة عائقاً كبيراً بيننا، وأني أيضاً لا أضمن إذا رفضت وجاءني شخص آخر مؤهله الدراسي أعلى، أن يكون على خلق حسن ودين وحب لأهلي مثله.

أرجو إفادتي وتقليل حيرتي في هذا الأمر، وجزاكم الله عني خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يُقدِّر لكِ الخير، وأن يُصلح الأحوال.

بدايةً، نحب أن نؤكد أن هذا الشاب يحمل مؤهلات عاليةً جدًّا وغاليةً جدًّا، فإن الطموح، والرغبة في الخير، والاعتماد -بعد الله- على النفس، مؤشرات عالية وغالية، فإذا أضيف إلى ذلك الدين، والأخلاق، وموافقة الأهل وارتياحهم له، فإن عناصر الخير قد اكتملت، وهذه نعمة أرجو أن تحمدي الله -تبارك وتعالى- عليها.

ثانيًا: ينبغي أن تعلمي أن نجاح الرجل ليس في شهاداته، وإنما في طموحه، وقدرته على تحمُّل المسؤولية، وحضوره الاجتماعي، وأن تكون له أدوار وشخصية في المجتمع، هذا هو المهم، والشهادات لا تُغني عن أصحابها شيئًا ما لم يكن عندهم تواصل اجتماعي، وما لم تكن لديهم همة عالية، وما لم تكن عندهم قدرة على تحمُّل المسؤوليات، وهذه الصفات -ولله الحمد- ظاهرة وواضحة في الشاب المذكور.

أمَّا بالنسبة للكلام الذي تكلم عنه:
فهو يعمل في مجال طبي، أو في خدمات مساعدة في المجال الطبي، فهو يعرف الطبيبات، والدوام، وطبيعة الأعمال، والشيفتات، ومع ذلك هو تقدَّم ليطلب يدكِ، هذا دليل على أن هذا الأمر لن يكون فيه إشكال، كما أن الرجل الذي يتقدم إلى فتاة وهي على وضع مُعيَّن، لا يختارها إلَّا بعد أن يكون قد رضي بهذا الوضع، وعرف ما قد يترتَّب عليه من صعوبات، أو من دوام الشيفتات -كما أشرتِ- أو غير ذلك.

ولذلك، نحن ننصح بالقبول به، وعدم تفويت هذه الفرصة، والتعوذ بالله من شيطانٍ لا يريد لنا الحلال ولا يريد لنا السعادة، فينبغي أن تخالفي هذه المشاعر السالبة، وعليكِ أن تتذكري أن الدين عاصم من الكبر، وعاصم من الشر، وعاصم من كل هذه الأمور، وكُلُّ كَسْرٍ فإن الدين يجبره، وما لكسر قناة الدين جُبران.

فنسأل الله أن يعينكِ على الخير، وأرجو ألَّا تحتاري، بل تعوذي بالله من شيطانٍ لا يريد لكِ إكمال هذا المشروع من الخير، نحن في زمان قلَّ من يأتي فيه ويطرق الأبواب، وإذا طرق الأبواب قلَّ من نجد شابًّا كوَّن نفسه معتمدًا -بعد الله- على نفسه، وإن وجدنا ذلك، فقلَّ أن نجد من تجتمع فيه صفات أعلى، بالإضافة إلى الخلق، والدين، والطموح العالي كما أشرنا.

نسأل الله أن يجمع بينكما في الخير، وأنتِ في مقام بناتنا، ونحن نشجعكِ على إكمال المشوار مع هذا الشاب، مع الثقة بأن الحياة لا تخلو من صعوبات، لكن يوجد الآن توافق، ويوجد شاب مؤهل، ويوجد قبول من الأهل، وهذه كلها مؤشرات إيجابية جدًّا.

نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً