الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري 155 - بَابٌ: الذِّكْرُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: 805 841 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. 806 842 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالتَّكْبِيرِ . حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ أَبُو مَعْبَدٍ أَصْدَقَ مَوَالِيِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ عَلِيٌّ: وَاسْمُهُ: نَافِذٌ. فتح الباري لابن رجب أَبُو مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، اسْمُهُ: نَافِذٌ ، وَهُوَ ثِقَةٌ؛ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجِ حَدِيثِهِ. وَلَكِنْ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ بَعْدُ، وَقَالَ: لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهَذَا. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرٍو ، بِهِ، وَزَادَ: قَالَ عَمْرٌو : قُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَبَّرُوا ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، وَهَكَذَا هُنَا، ثَلَاثَ تَهْلِيلَاتٍ [...]. وَقَالَ حَنْبَلٌ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ ، ثَنَا وَاصِلٌ ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ. قُلْتُ لِأَحْمَدَ : بَعْدَ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هَكَذَا. قُلْتُ لَهُ: حَدِيثُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالتَّكْبِيرِ "، هَؤُلَاءِ أَخَذُوهُ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ فِي كِتَابِهِ " الشَّافِي ". فَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ مَعْنَى التَّكْبِيرِ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَقِبَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ: هُوَ ثَلَاثُ تَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ طَيْسَلَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، عَدَدَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، وَكَلِمَاتِ اللَّهِ الطَّيِّبَاتِ الْمُبَارَكَاتِ - ثَلَاثًا - وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - مِثْلَ ذَلِكَ - كُنَّ لَهُ فِي الْقَبْرِ نُورًا، وَعَلَى الْحَشْرِ نُورًا، وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا، حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ". وَخَرَّجَهُ - أَيْضًا - بِلَفْظٍ آخَرَ، وَهُوَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، وَكَلِمَاتِ رَبِّي الطَّيِّبَاتِ التَّامَّاتِ الْمُبَارَكَاتِ - ثَلَاثًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ: مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ، وَخَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ . وَطَيْسَلَةُ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، هُوَ: ابْنُ عَلِيٍّ الْيَمَامِيُّ ، وَيُقَالُ: ابْنُ مَيَّاسٍ ، وَجَعَلَهُمَا ابْنُ حِبَّانَ اثْنَيْنِ، وَذَكَرَهُمَا فِي " ثِقَاتِهِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُمَا يَرْوِيَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَخَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " كِتَابِهِ "، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ ، عَنْ مِسْعَرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ - مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ . وَأَنْكَرَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ تَكْبِيرَهُ عَقِبَ السَّلَامِ، وَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، نَعَّارٌ بِالْبِدَعِ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي " طَبَقَاتِهِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - ثَلَاثًا - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ. وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِهِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَحُكِيَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ الْإِسْرَارُ بِالذِّكْرِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمَنْ جَهَرَ بِالذِّكْرِ مِنْ أَصْحَابِهِ: " إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ". وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا عَلَى أَنَّهُ جَهَرَ بِهِ وَقْتًا يَسِيرًا حَتَّى يُعَلِّمَهُمْ صِفَةَ الذِّكْرِ؛ لَا أَنَّهُمْ جَهَرُوا دَائِمًا. قَالَ: فَأَخْتَارُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَيُخْفِيَانِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا يُرِيدُ أَنْ يُتَعَلَّمَ مِنْهُ، فَيَجْهَرُ حَتَّى يَعْلَمَ، أَنَّهُ قَدْ تُعُلِّمَ مِنْهُ، ثُمَّ يُسِرُّ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَصْحَابُهُ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِثْلَ ذَلِكَ - أَيْضًا. وَلَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهِ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ": ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْمَأْمُومُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. وَذَكَرَ عَنْ أَحْمَدَ نُصُوصًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِبَعْضِ الذِّكْرِ، وَيُسِرُّ الدُّعَاءَ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ؛ فَإِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى جَهْرِ الْمَأْمُومِينَ - أَيْضًا. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ - أَيْضًا -: مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ "، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُهِلُّ بِهِنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. وَمَعْنَى: " يُهِلُّ ". يَرْفَعُ صَوْتَهُ، وَمِنْهُ: الْإِهْلَالُ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَاسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ إِذَا وُلِدَ. وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَجْهَرُونَ بِالذِّكْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِمْ: فَخَرَّجَ النَّسَائِيُّ فِي " عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " مِنْ رِوَايَةِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ: صَلَّى رَجُلٌ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَسَمِعَهُ حِينَ سَلَّمَ يَقُولُ: " أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ "، ثُمَّ صَلَّى إِلَى جَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَسَمِعَهُ حِينَ سَلَّمَ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَضَحِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: إِنِّي صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مِثْلَمَا قُلْتَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ ذَلِكَ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ ، فَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ: الْمُبَالَغَةُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ؛ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ " فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تُنَادُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا "، وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ يُسَكِّنُهُمْ وَيَخْفِضُهُمْ. وَقَدْ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِنَحْوٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ : كَانَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ، فَإِذَا خُفِضَتْ أَصْوَاتُهُمْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُرَدِّدُوا الذِّكْرَ. خَرَّجَهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي " كِتَابِ الذِّكْرِ ". وَخَرَّجَ - أَيْضًا - مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ زَهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ، قَالَ: قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ إِذَا انْقَلَبَ مِنَ الْعَشَاءِ كَبَّرَ كَبَّرَ، حَتَّى يَبْلُغَ مَنْزِلَهُ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ أَنَّ هَذَا خَفَضَ مِنْ صَوْتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " دَعْهُ؛ فَإِنَّهُ أَوَّاهٌ ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ مِمَّنْ عُرِفَ صِدْقُهُ وَإِخْلَاصُهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِرَجُلٍ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْبِجَادَيْنِ : " إِنَّهُ أَوَّاهٌ " ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَجُلٌ كَانَ كَثِيرَ الذِّكْرِ لِلَّهِ فِي الْقُرْآنِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الدُّعَاءِ. وَفِي إِسْنَادِهِ: ابْنُ لَهِيعَةَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي التَّكْبِيرِ فِي الْحَرَسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ رَفَعَ صَوْتَهُ فَلَا بَأْسَ. فَأَمَّا قَوْلُ ابْنَ سِيرِينَ : يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: الْأَذَانِ وَالتَّلْبِيَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: الْمُبَالَغَةُ فِي الرَّفْعِ، كَرَفْعِ الْمُؤَذِّنِ وَالْمُلَبِّي. وَقَدْ رُوِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ فِي مَوَاضِعَ، كَالْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدَيْنِ، وَأَيَّامِ الْعَشْرِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى . وَأَمَّا الدُّعَاءُ، فَالسُّنَّةُ إِخْفَاؤُهُ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ عَائِشَةَ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاءِ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَعُرْوَةَ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : يَنْبَغِي أَنْ يُسِرَّ دُعَاءَهُ؛ لِهَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ : رَفْعُ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ بِدْعَةٌ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : أَحْدَثَ النَّاسُ الصَّوْتَ عِنْدَ الدُّعَاءِ . وَكَرِهَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى وَكِيعٌ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْحَسَنِ - وَالرَّبِيعِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ أَنَسٍ - أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ يُسْمِعَ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ شَيْئًا مِنْ دُعَائِهِ. وَوَرَدَ فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ وَجْهٍ لَا يَصِحُّ: خَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى : كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى يُسْمِعَ أَصْحَابَهُ، يَقُولُ: " اللَّهُمَّ، أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي جَعَلْتَهُ عِصْمَةَ أَمْرِي " - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - " اللَّهُمَّ، أَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي جَعَلْتَ فِيهَا مَعَاشِي " - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، " اللَّهُمَّ، أَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي جَعَلْتَ إِلَيْهَا مَرْجِعِي " - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - وَذَكَرَ دُعَاءً آخَرَ . وَفِي إِسْنَادِهِ: يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ ، مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَإِسْحَاقُ بْنُ طَلْحَةَ ، ضَعِيفٌ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ؛ لِيُقْبِلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ ". فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِذَلِكَ حَتَّى يَسْمَعَهُ النَّاسُ، إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَكَانَ يَسْمَعُهُ مِنْهُ - أَحْيَانًا - جَلِيسُهُ، كَمَا كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ مَنْ خَلْفَهُ الْآيَةَ أَحْيَانًا فِي صَلَاةِ النَّهَارِ. وَرَوَى هِلَالُ بْنُ يَسَافٍ ، عَنْ زَاذَانَ ، نَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: " اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ " - مِائَةَ مَرَّةٍ. خَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَنْهُ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ فِي " مُسْنَدِهِ ".

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية