الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الَّتِي لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ فَتِلْكَ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ وَالْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى مَعْنَاهَا، إِلَّا أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّهُ يُوَافِقُ الشَّرْعَ، وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تُعَارَضُ بِهَا النُّصُوصُ هِيَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ، كَلَفْظِ «الْجِسْمِ» وَ«الْحَيِّزِ» وَ«الْجِهَةِ» وَ«الْجَوْهَرِ» وَ«الْعَرَضِ»، فَمَنْ كَانَتْ مُعَارَضَتُهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ مُخَالِفَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ الشَّرْعُ أَنَّهُ كُفْرٌ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَلَقًّى عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَالْعَقْلُ قَدْ يُعْلَمُ بِهِ صَوَابُ الْقَوْلِ وَخَطَؤُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ خَطَأً فِي الْعَقْلِ يَكُونُ كُفْرًا فِي الشَّرْعِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ صَوَابًا فِي الْعَقْلِ تَجِبُ فِي الشَّرْعِ مَعْرِفَتُهُ. وَمِنَ الْعَجَبِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ: إِنَّ أُصُولَ الدِّينِ الَّتِي يَكْفُرُ مُخَالِفُهَا هِيَ عِلْمُ الْكَلَامِ الَّذِي يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ. وَأَمَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَهِيَ الشَّرْعِيَّاتُ عِنْدَهُمْ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ كَأَتْبَاعِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَأَمْثَالِهِمْ. فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا الْكَلَامُ تَضَمَّنَ شَيْئَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ هِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْعَقْلِ الْمَحْضِ دُونَ الشَّرْعِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُخَالِفَ لَهَا كَافِرٌ، وَكُلٌّ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَنَاقِضٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالْعَقْلِ لَا يُعْلَمُ أَنَّ مُخَالِفَهُ كَافِرٌ الْكُفْرَ الشَّرْعِيَّ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْعَقْلِ يَكْفُرُ، وَإِنَّمَا الْكُفْرُ يَكُونُ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ أَوِ الِامْتِنَاعِ عَنْ مُتَابَعَتِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ، مِثْلُ كُفْرِ فِرْعَوْنَ وَالْيَهُودِ وَنَحْوِهِمْ. وَفِي الْجُمْلَةِ فَالْكُفْرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ إِلَّا بِالشَّرْعِ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الرِّسَالَةِ لَمْ يَكُنْ كُفْرٌ مُحَرَّمٌ، وَلَا إِيمَانٌ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ، وَمَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ فَإِنَّهُ لَا يُنَازَعُ أَنَّهُ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ تَعَلُّقُ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ، لَا بِمُجَرَّدِ مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكُفْرُ مُعَلَّقًا بِأُمُورٍ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْعَقْلِ؟ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ الَّتِي لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْعَقْلِ كُفْرٌ، فَيَكُونُ حُكْمُ الشَّرْعِ مَقْبُولًا. لَكِنْ مَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ، بَلِ الْمَوْجُودُ فِي الشَّرْعِ تَعْلِيقُ الْكُفْرِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِيمَانُ، وَكَّلَاهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْكِتَابِ وَالرِّسَالَةِ، فَلَا إِيمَانَ مَعَ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وَمُعَادَاتِهِ، وَلَا كُفْرَ مَعَ تَصْدِيقِهِ وَطَاعَتِهِ. وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا رَأَى أَهْلَ الْبِدَعِ مِنَ النُّفَاةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مَثَلِ هَذَا، فَيَبْتَدِعُونَ بِدَعًا بِآرَائِهِمْ لَيْسَ فِيهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ، ثُمَّ يُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ، وَهَذَا حَالُ مَنْ كَفَّرَ النَّاسُ بِمَا أَثْبَتُوهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي يُسَمِّيهِمَا هُوَ تَرْكِيبًا وَتَجْسِيمًا وَإِثْبَاتًا لِحُلُولِ الصِّفَاتِ وَالْأَعْرَاضِ بِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي ابْتَدَعَتْهَا الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، ثُمَّ كَفَّرُوا مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية