الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَجُمْهُورُ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّ فَسَادَ هَذَا مَعْلُومٌ بِصَرِيحٍ الْعَقْلِ؛ فَإِنَّ التَّوْرَاةَ إِذَا عُرِّبَتْ لَمْ تَكُنْ هِيَ الْقُرْآنَ، وَلَا مَعْنَى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ هُوَ مَعْنَى تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ . وَكَانَ يُوَافِقُهُمْ عَلَى إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ غَيْرُ الْمَتْلُوِّ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، مَنْ لَا يُوَافِقُهُمْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، بَلْ قَصْدُهُ أَنَّ التِّلَاوَةَ هِيَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَصْوَاتُهُمْ. وَصَارَ أَقْوَامٌ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ غَيْرُ الْمَتْلُوِّ، وَأَنَّ اللَّفْظَ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْرَفُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِابْنِ كُلَّابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْرَفُ مُخَالَفَتُهُ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُعْرَفُ مِنْهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَصَارَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَنَحْوُهُ ـ مِمَّنْ يُوَافِقُ ابْنَ كُلَّابٍ عَلَى قَوْلِهِ ـ مُوَافِقًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ إِطْلَاقٍ هَذَا وَهَذَا، فَيَمْنَعُونَ أَنْ يُقَالَ: اللَّفْظُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهَؤُلَاءِ مَنَعُوهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ يُقَالُ فِي الْقُرْآنِ: إِنَّهُ يُلْفَظُ أَوْ لَا يُلْفَظُ وَقَالُوا اللَّفْظُ: الطَّرْحُ وَالرَّمْيُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ فِي الْقُرْآنِ. وَوَافَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِمَّنْ لَا يَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ كُلَّابٍ فِي الْكَلَامِ كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَأَمْثَالِهِ، وَوَقَعَ بَيْنَ أَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَصَنَّفَ أَبُو نَعِيمٍ فِي ذَلِكَ كِتَابَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى اللَّفْظِيَّةِ وَالْحُلُولِيَّةِ، وَمَالَ فِيهِ إِلَى جَانِبِ النُّفَاةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ مَخْلُوقَةٌ، كَمَا مَالَ ابْنُ مَنْدَهْ إِلَى جَانِبِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، وَحَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْأَئِمَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَقْصُودِهِ، لَا عَلَى جَمِيعِهِ فَمَا قَصَدَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ الْحَقِّ وَجَدَ فِيهِ مِنَ الْمَنْقُولِ الثَّابِتِ عَنِ الْأَئِمَّةِ مَا يُوَافِقُهُ. وَكَذَلِكَ وَقَعَ بَيْنَ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ وَأَبِي نَصْرٍ السِّجْزِيِّ فِي ذَلِكَ، حَتَّى صَنَّفَ أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ كِتَابَهُ الْكَبِيرَ فِي ذَلِكَ الْمَعْرُوفَ بِالْإِبَانَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْآثَارِ وَالِانْتِصَارَ لِلسُّنَّةِ وَأَهْلِهَا أُمُورًا عَظِيمَةَ الْمَنْفَعَةِ، لَكِنَّهُ نَصَرَ فِيهِ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنْكَرَ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ وَغَيْرِهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَرَجَّحَ طَرِيقَةَ مِنْ هَجَرَ الْبُخَارِيَّ، وَزَعَمَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَقُولُ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى ذَلِكَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية