الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّازِيِّ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي: إِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ عِلْمَهُ بِذَاتِهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْمَعْلُولِ، يَقْتَضِي عِلْمَهُ بِذَلِكَ الْمَعْلُولِ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِأَنَّ ذَاتَهُ عِلَّةٌ لِلشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ، عِلْمٌ بِإِضَافَةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَ ذَاتِهِ وَبَيْنَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْعِلْمُ بِالْإِضَافَةِ مَسْبُوقٌ بِالْعِلْمِ بِالْمُضَافَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الْمَعْلُولُ مُسْتَفَادًا مِنَ الْعِلْمِ بِتِلْكَ الْإِضَافَةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ. فَيُقَالُ لَهُ: الْعِلْمُ بِالْإِضَافَةِ مَشْرُوطٌ بِالْعِلْمِ بِالْمُضَافَيْنِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالْمُضَافَيْنِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ تَقَدُّمًا زَمَانِيًّا، بَلْ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِالْإِضَافَةِ، إِلَّا مَعَ تَصَوُّرِ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ. ثُمَّ إِذَا كَانَ الْمُضَافُ هُوَ الْعِلَّةُ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهَا، مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْمَعْلُولِ، مُسْتَلْزِمًا لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ الْمَعْلُولِ. وَالْعِلْمُ بِأَنَّهَا عِلَّةٌ لِلْمَعْلُولِ يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ: الْعِلْمَ بِهَا، وَهِيَ الْمُضَافُ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ، وَالْعِلْمَ بِالْمَعْلُولِ، وَهُوَ الْمُضَافُ الَّذِي هُوَ مَعْلُولٌ. وَالْعِلْمَ بِالْعِلِّيَّةِ، وَهِيَ الْإِضَافَةُ. وَالثَّلَاثَةُ مُتَلَازِمَةٌ، لَا يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالزَّمَانِ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّ الْعِلْمَ بِبَعْضِهَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْعِلْمِ بِبَعْضٍ، كَمَا ذَكَرَهُ. فَإِنَّ الرَّبَّ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْلُومَاتِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِالْمَدْلُولِ، حَتَّى يَدُلَّهُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وَأَمَّا هُوَ فَعِلْمُهُ مِنْ لَوَازِمِ نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ. وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ عِلْمَهُ بِنَفْسِهِ وَبِمَخْلُوقَاتِهِ مُتَلَازِمَانِ، يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْعِلْمِ بِنَفْسِهِ دُونَ الْعِلْمِ بِخَلْقِهِ، كَمَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْعِلْمِ بِخَلْقِهِ بِدُونِ الْعِلْمِ بِنَفْسِهِ. وَالرَّازِيُّ لَعَلَّهُ رَدَّ مَا قَدْ يُضَافُ إِلَى ابْنِ سِينَا وَحِزْبِهِ، مِنْ أَنَّ عِلْمَهُ بِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ عِلْمَهُ بِخَلْقِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ عِلَّةً لِهَذَا الْعِلْمِ، كَعِلْمِنَا نَحْنُ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يُوجِبُ حُكْمَنَا بِالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ. وَمَا ذَكَرَهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ عِلْمَهُ بِكَوْنِهِ عِلَّةً لِلْمَعْلُولِ، هُوَ الْمُوجِبُ لِعِلْمِهِ بِالْمَعْلُولِ، لَزِمَ الدَّوْرُ، كَمَا ذَكَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ عِلَّةً لِلْمَعْلُولِ، حَتَّى يَعْلَمَ الْمَعْلُولَ، كَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْإِضَافَةِ مَشْرُوطٌ بِالْعِلْمِ بِالْمُضَافَيْنِ، فَلَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا عِلَّةٌ لِذَاكَ، حَتَّى تَعْلَمَ هَذَا وَذَاكَ، فَلَوْ كَانَ عِلْمُكَ بِذَاكَ، مُسْتَفَادًا مِنْ عِلْمِكَ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ، لَزِمَ الدَّوْرُ. وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا، وَقُلْنَا: الْمُرَادُ أَنَّ عِلْمَهُ بِهَذَا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَهُ بِهَذَا؛ أَيْ يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ هَذَا الْعِلْمِ بِدُونِ هَذَا الْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا هُوَ الْعِلَّةَ لِلْآخَرِ. كَمَا يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ إِرَادَتِهِ دُونَ عِلْمِهِ، وَعِلْمِهِ دُونَ قُدْرَتِهِ، وَسَائِرِ صِفَاتِهِ الْمُتَلَازِمَةِ، وَيَمْتَنِعُ تَحَقُّقُ ذَاتِهِ دُونَ صِفَاتِهِ، وَصِفَاتِهِ دُونَ ذَاتِهِ، فَكُلٌّ مِنْهَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ، فَيُسْتَدَلُّ بِثُبُوتٍ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى ثُبُوتِ سَائِرِهَا، إِذَا عُرِفَ بِلَازِمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا هُوَ الْعِلَّةَ فِي وُجُودِ هَذَا. وَنَحْنُ مَقْصُودُنَا بَيَانُ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَبَيَانُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ فِيمَا يَقُولُهُ الْوَاحِدُ مِنْ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ، وَقَدْ يَكُونُ قَصَّرَ فِي بَيَانِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْأَمْرَانِ. فَنَحْنُ نَسْتَدِلُّ بِعِلْمِهِ بِذَاتِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ مَخْلُوقَاتِهِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّلَازُمِ، الدَّالِّ عَلَى أَنَّ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْآخَرِ، لَا نَحْتَاجُ أَنْ نَجْعَلَ عِلْمَهُ بِهَذَا هُوَ الْمُوجِبَ لِهَذَا. فَإِنْ قِيلَ: فَبِتَقْدِيرٍ أَنْ لَا يَكُونَ مُوجَبًا، فَلَيْسَ مَعَكُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَهُ بِذَاتِهِ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ، كَمَا أَنَّا إِذَا قَدَّرْنَا أَنَّ عِلْمَ أَحَدِنَا بِالْمَلْزُومِ لَيْسَ مُوجِبًا لِعِلْمِهِ بِاللَّازِمِ، لَمْ يَكُنْ مَعَنَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَالِمٌ بِاللَّازِمِ. قِيلَ: بَلْ كَوْنُ أَحَدِ الْعِلْمَيْنِ مُسْتَلْزِمًا لِلْآخَرِ ثَابِتٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا لِلْآخَرِ، فَإِنَّ الْمَلْزُومَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً أَوْ غَيْرَ عِلَّةٍ. وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ لَيْسَ عِلَّةً، لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ مَلْزُومًا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية