الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ الطُّوسِيُّ: وَكُلُّ جُزْئِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ فَلَهُ طَبِيعَةٌ تُوجَدُ فِي شَخْصِهِ، وَمَا تَصِيرُ تِلْكَ الطَّبِيعَةُ جُزْئِيَّةً لَا يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ، وَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْبُرْهَانُ وَالْحَدُّ، بِسَبَبِ انْضِيَافِ مَعْنَى الْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ إِلَيْهَا، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِنَ الْمُخَصَّصَاتِ، الَّتِي لَا سَبِيلَ إِلَى إِدْرَاكِهَا إِلَّا بِالْحِسِّ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، فَإِنْ أَخَذْتَ تِلْكَ الطَّبِيعَةَ مُجَرَّدَةً عَنْ تِلْكَ الْمُخَصَّصَاتِ، صَارَتْ كُلِّيَّةً يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ، وَيَتَنَاوَلُهَا الْبُرْهَانُ وَالْحَدُّ، وَكَانَ الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا -حِينَ كَوْنِهَا جُزْئِيَّةً- بَاقِيًا بِحَالِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْأُمُورِ الْمُخَصَّصَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُخَصَّصَةٌ. قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: كُلُّ مَنْ أَدْرَكَ عِلَلَ الْكَائِنَاتِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا طَبَائِعُ. يَعْنِي طَبَائِعَ كُلِّيَّةً وَأَدْرَكَ أَحْوَالَهَا الْجُزْئِيَّةَ وَأَحْكَامَهَا، كَتَلَاقِيهَا وَتَبَايُنِهَا، وَتَمَاسِّهَا وَتَبَاعُدِهَا، وَتَرَكُّبِهَا وَتَحَلُّلِهَا، مِنْ حَيْثُ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِتِلْكَ الطَّبَائِعِ، وَأَدْرَكَ الْأُمُورَ الَّتِي تَحْدُثُ: مَعَهَا وَبَعْدَهَا وَقَبْلَهَا، مِنْ حَيْثُ يَكُونُ الْجَمِيعُ وَاقِعًا فِي أَوْقَاتٍ يَتَحَدَّدُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَفُوقُهُ شَيْءٌ أَصْلًا، فَقَدْ حَصَلَ عِنْدَهُ صُورَةُ الْعَالِمِ مُنْطَبِقَةً عَلَى جَمِيعِ كُلِّيَّاتِهِ وَجُزْئِيَّاتِهِ الثَّابِتَةِ، وَالْمُتَجَدِّدَةِ الْمُنْصَرِفَةِ، الْخَاصَّةِ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، كَمَا عَلَيْهِ الْوُجُودُ، غَيْرَ مُغَادِرٍ إِيَّاهَا بِشَيْءٍ، وَتَكُونُ تِلْكَ الصُّورَةُ بِعَيْنِهَا مُنْطَبِقَةً عَلَى عَوَالِمَ أُخَرَ، لَوْ حَصَلَتْ فِي الْوُجُودِ، مِثْلَ هَذَا الْعَالِمِ بِعَيْنِهِ، فَتَكُونُ صُورَةً كُلِّيَّةً مُنْطَبِقَةً عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ الْحَادِثَةِ فِي أَزْمِنَتِهَا، غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ بِتَغَيُّرِهَا. هَكَذَا يَكُونُ إِدْرَاكُ الْجُزْئِيَّاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْكُلِّيِّ. فَيُقَالُ: فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ الرَّبُّ عَالِمًا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ، وَلَا فَاعِلًا لَهَا، إِذَا كَانَ عِلْمُهُ بِهَا هُوَ إِبْدَاعُهُ لَهَا، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالْجُزْئِيَّاتِ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْكُلِّيِّ، لَا يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ، وَلَا يَكْفِي هَذَا الْعِلْمُ فِي وُجُودِهَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ إِيجَادُهَا. فَإِنَّا إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ بَنِي آدَمَ لَا بُدَّ أَنْ تَحْصُلَ لَهُمْ شَهْوَةُ الْأَكْلِ فَيَأْكُلُونَ، وَإِذَا أَكَلُوا فَلَا بُدَّ أَنْ تَحْصُلَ لَهُمْ فَضْلَةٌ فَيَتَغَوَّطُونَ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَحْصُلَ لَهُمْ شَهْوَةُ النِّكَاحِ فَيُجَامِعُونَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ إِنْزَالٌ وَحَبَلٌ، فَتَحْبَلُ النِّسَاءُ وَيَلِدْنَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَمُوتُوا -كَانَ هَذَا عِلْمًا كُلِّيًّا يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ أَكْلٍ وَتَخَلٍّ، وَنِكَاحٍ وَإِنْزَالٍ، وَحَبَلٍ وَوِلَادَةٍ وَمَوْتٍ، بِحَيْثُ لَوْ قِيلَ: إِنَّ فِي الْآدَمِيِّينَ مَنْ لَا يَمُوتُ، أَوْ مَنْ لَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَنَامُ وَنَحْوَ ذَلِكَ- كَانَ ذَلِكَ الْعِلْمُ الْكُلِّيُّ مُنَاقِضًا لِهَذَا الْقَوْلِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية