الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَأَمَّا تَكْلِيمُهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، أَوْ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ، فَهَذَا مَخْصُوصٌ بِالْأَنْبِيَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ يَجْعَلُونَ النُّبُوَّةَ مِنْ جِنْسِ مَا يَحْصُلُ لِعُلَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الْكَامِلِينَ عِنْدَهُمْ. وَمِنْ هَذَا صَارَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَصَوِّفَةِ الْفَلَاسِفَةِ يَطْمَعُونَ فِي النُّبُوَّةِ، أَوْ فِيمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا عِنْدَهُمْ، كَمَا حَدَّثُونَا عَنِ السُّهْرَوَرْدِيِّ الْمَقْتُولِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا أَمُوتُ حَتَّى يُقَالَ لِي: قُمْ فَأَنْذِرْ. وَكَذَلِكَ ابْنُ سَبْعِينَ كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ زَرَّبَ ابْنُ آمِنَةَ حَيْثُ قَالَ: لَا نَبِيَّ بَعْدِي. وَابْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ مِنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَمِيعَهُمْ يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاللَّهِ مِنْ جِهَةِ هَذَا الْمُسَمَّى بِخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالْعِلْمُ بِاللَّهِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، كَمَا قَدْ عُرِفَ مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ وَيَقُولُ: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ - فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ وَيَقُولُ: إِنَّ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ يَأْخُذُ مِنَ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ الْمَلَكُ، الَّذِي يُوحَى بِهِ إِلَى الرَّسُولِ. وَهَذَا عَلَى أَصْلِ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةِ الْمَلَاحِدَةِ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْمَلَائِكَةَ مَا يَتَمَثَّلُ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ مِنَ الصُّوَرِ الْخَيَالِيَّةِ النُّورَانِيَّةِ، وَكَلَامُ اللَّهِ مَا يَحْصُلُ فِي نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ. فَالنَّبِيُّ عِنْدَهُمْ يَأْخُذُ عَنْ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ الْخَيَالِيَّةِ فِي نَفْسِهِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعِلْمِ الْعَقْلِيِّ، وَالْوَلِيُّ يَأْخُذُ الْعِلْمَ الْعَقْلِيَّ الْمُجَرَّدَ. وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِأَحَدِهِمْ أَفْضَلَ مِنْ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى بْنِ عُمْرَانَ؛ لِأَنَّ مُوسَى كُلِّمَ عِنْدَهُمْ بِحِجَابِ الْحِرَفِ وَالصُّوفِ؛ أَيْ بِخِطَابٍ كَانَ فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ خَارِجًا عَنْ نَفْسِهِ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ كُلِّمَ مِنْ سَمَاءِ عَقْلِهِ، وَأَحَدُهُمْ يُكَلَّمُ بِدُونِ هَذَا الْحِجَابِ، وَهُوَ إِلْهَامُهُ الْمَعَانِيَ الْمُجَرَّدَةَ فِي نَفْسِهِ. وَصَاحِبُ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ وَأَمْثَالُهُ يَسْلُكُونَ هَذَا الْمَسْلَكَ. وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا مِنْ مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ الَّتِي بَنَاهَا وَاضِعُهَا عَلَى قَانُونِ الْفَلَاسِفَةِ، وَجَعَلَ تَكْلِيمَ اللَّهِ لِمُوسَى مِنْ جِنْسِ مَا يُلْهِمُهُ النُّفُوسَ مِنَ الْعُلُومِ. وَلَمَّا كَانَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا يَعْتَقِدُ فِي الْبَاطِنِ مَا يَعْتَقِدُهُ مِنْ مَقَالَاتِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، كَانَتْ غَايَتُهُ فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ، هُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِعْلَامِ الْعَامِّ، الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ نَوْعُ الْإِنْسَانِ. وَلِهَذَا كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَعْظَمَ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَدِينِهِ وَبِالْآخِرَةِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، لَكِنْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مَنْ يَسْلُكُ مَسْلَكَ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الضَّلَالَانِ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية