الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
وَبِالْجُمْلَةِ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِنَفْيِ الْجِهَةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ عِنْدَ التَّكَلُّمِ فِي الْجِهَةِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا صَرَّحَ بِنَفْيِ الْجِسْمِيَّةِ وَجَبَ التَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الْحَرَكَةِ، وَإِذَا صَرَّحَ بِنَفْيِ هَذَا عَسُرَ تَصَوُّرُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْحَشْرِ مِنْ أَنَّ الْبَارِيَ سُبْحَانَهُ يَطَّلِعُ إِلَى أَهْلِ الْحَشْرِ، وَأَنَّهُ الَّذِي يَلِي حِسَابَهُمْ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الْفَجْرُ: 22]. وَكَذَلِكَ يَصْعُبُ تَأْوِيلُ حَدِيثِ النُّزُولِ الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَ التَّأْوِيلُ أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْهُ إِلَى أَمْرِ الْحَشْرِ، مَعَ أَنَّ مَا جَاءَ فِي الْحَشْرِ مُتَوَاتِرٌ فِي الشَّرْعِ. فَيَجِبُ أَنْ لَا يُصَرَّحُ لِلْجُمْهُورِ بِمَا يُؤَوَّلُ عِنْدَهُمْ إِلَى إِبْطَالِ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ، فَإِنَّ تَأْثِيرَهَا فِي نُفُوسِ الْجُمْهُورِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا حُمِلَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا. وَأَمَّا إِذَا أُوِّلَتْ، فَإِنَّهُ يَعُودُ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُسَلَّطَ التَّأْوِيلُ عَلَى هَذِهِ وَأَشْبَاهِ هَذِهِ فِي الشَّرِيعَةِ، فَتَمُوتَ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا، وَتَبْطُلَ الْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا. وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ كُلِّهَا: إِنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ، فَيَعُودُ الشَّرْعُ كُلُّهُ مِنَ الْمُتَشَابِهِ، مَعَ أَنَّكَ إِذَا اعْتَبَرْتَ الدَّلَائِلَ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الْمُؤَوِّلُونَ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا تَجِدُهَا غَيْرَ بُرْهَانِيَّةٍ، بَلِ الظَّوَاهِرُ الشَّرْعِيَّةُ أَقْنَعَ مِنْهَا، أَعْنِي أَنَّ التَّصْدِيقَ بِهَا أَكْثَرُ. وَأَنْتَ تَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِنَا فِي الْبُرْهَانِ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ نَفْيَ الْجِسْمِيَّةِ، وَكَذَلِكَ تَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي الْبُرْهَانِ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ نُفِيَ الْجِهَةِ، عَلَى مَا سَنَقُولُهُ بَعْدُ. قَالَ: وَقَدْ يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْصِدِ التَّصْرِيحَ بِنَفْيِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْجُمْهُورِ، أَنَّهُ لِمَكَانِ انْتِفَاءِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ النَّفْسِ، أَعْنِي الْجِسْمِيَّةَ، لَمْ يُصَرِّحِ الشَّرْعُ لِلْجُمْهُورِ بِمَا هِيَ النَّفْسُ، فَقَالَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الْإِسْرَاءُ: 85]، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْسُرُ قِيَامُ الْبُرْهَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى وُجُودِ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَوْ كَانَ انْتِفَاءُ هَذِهِ الصِّفَةِ مِمَّا يَقِفُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لَاكْتَفَى بِذَلِكَ الْخَلِيلُ فِي مُحَاجَّةِ الْكَافِرِ حِينَ قَالَ لَهُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [الْبَقَرَةُ: 258] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: أَنْتَ جِسْمٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُحْدَثٌ، كَمَا يَقُولُهُ الْأَشْعَرِيَّةُ. وَكَذَلِكَ كَانَ يَكْتَفِي بِذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ مُحَاجَّةِ فِرْعَوْنَ فِي دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ. وَكَذَلِكَ كَانَ يَكْتَفِي الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ الدَّجَّالِ فِي إِرْشَادِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى كَذِبِ مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ جِسْمٌ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ. بَلْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَاكْتَفَى بِالدَّلَالَةِ عَلَى كَذِبِهِ بِوُجُودِ هَذِهِ الصِّفَةِ النَّاقِصَةِ. الَّتِي يَنْتَفِي عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ وُجُودُهَا بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ فِي الْبَارِي سُبْحَانَهُ. وَكَذَلِكَ كَانَ يُكْتَفَى بِنَفْيِ الْجِسْمِيَّةِ فِي عِجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَهَذِهِ كُلُّهَا -كَمَا تَرَاهُ- بِدَعٌ حَادِثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، هِيَ السَّبَبُ فِيمَا عَرَضَ فِيهِ مِنَ الْفِرَقِ الَّتِي أَنْبَأَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَتَفْتَرِقُ أُمَّتُهُ إِلَيْهَا.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية