الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الوجه الرابع عشر : أن الرحمة مقرونة في حق العبد بلوازم المخلوق من الحدوث والنقص والضعف وغيره ، وهذه اللوازم ممتنعة على الله تعالى ، فإما أن تكون الرحمة اسما للقدر الممدوح فقط ، أو الممدوح وما يلزمه من النقص ، فإن كانت اسما للقدر الكامل الذي لا يستلزم نقصا ، وذلك ثابت للرب تعالى كانت حقيقة في حقه قطعا ، وإن كانت اسما للمجموع فالثابت للرب تعالى هو القدر الذي لا نقص فيه ، وغاية ذلك أن يكون قد استعمل لفظها في بعض مدلوله كالعام إذا استعمل في الخصوص ، والأمر إذا استعمل في الندب وذلك لا يخرج اللفظ عن حقيقته عند جمهور الناس .

قيل : هذا حقيقة عندهم ، فإن اللفظ يستعمل في المجموع عند إطلاقه ، وفي البعض عند تقييده ، والمطلق موضوع والمقيد موضوع ، كما تقدم ، لا سيما أكثر الناس يقولون : إن بعض الشيء وصفته ليس غيرا له ، كما أجاب مثبتو الصفات لنفاتها وحينئذ فلا يكون اللفظ مستعملا في غير موضوعه ، فلا يكون مجازا .

الوجه الخامس عشر : أن هذا النقض اللازم للصفة ليس هو من موضوعها ولا [ ص: 366 ] مسمى لفظها ، وإنما هو من خصوص الإضافة ، فالقدر الممدوح الذي هو موضوع الصفة والنقص اللازم غير داخل في موضوعها ، وكذلك لا دلالة في لفظها على العدم ، والوجود غاية الكمال الذي لا كمال فوقه ، وإنما ذلك من لوازم إضافتها ونسبتها إلى الرب سبحانه ، فإذا موضوع لفظها مطلق المعنى الممدوح ، وخصوص الإضافة غير داخل في اللفظ ، وعلى هذا فإذا استعملت في حق الرب تعالى كانت حقيقة ، وإذا استعملت للعبد كانت حقيقة .

فتدبر هذا فإنه فصل الخطاب فيما يطلق على الرب والعبد ، واعتبر هذا فيما يطلق على المخلوق نفسه فإنه حقيقة مع دلالته على غاية المدح في المحل ، وغاية الذم في محل آخر .

مثاله : قولك : هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه وسمته ، وهذا كلام الصديق ، وهذا كلام المفتري ، فهذا حقيقة وهذا حقيقة ، وهما في غاية التضاد والاختلاف ، وهذا التعريف بالإضافة نظير التعريف باللام ينصرف إلى كل محل بحسبه ( فعصى فرعون الرسول ) هو موسى ، و ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ) هو محمد صلى الله عليه وسلم ، فرسول دال على القدر المشترك ، واللام تدل على تعريفه وتعيينه ، وكل من الموضعين حقيقة ، هذا مع أن اللفظ يستعمل مجردا عن التعريف كثيرا .

وأما لفظ الرحمة والسمع والبصر واليد والوجه والكلام فلا تكاد تستعمل إلا مضافة إلى محلها ، فلزوم الإضافة فيها نحو لزومها في الأسماء والأعلام ، ولا سيما المضافة إلى الرب كقوله : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ، ( إن رحمة الله قريب من المحسنين ) ، ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) ، ( إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ) ، ( بل يداه مبسوطتان ) ، ( خلقت بيدي ) فهذه الإضافة تمنع أن يدخل في اسم الصفة شيء من خصائص المخلوقين بوجه من الوجوه ، فالمحذوف الذي أوجب لهم دعوى المجاز فيها منتف بالإضافة قطعا فلا وجه لدعوى المجاز فيها البتة ، وهذا ظاهر جدا ، فإنها بإضافتها الخاصة دلت على ما لا تسعه العبارة من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه .

[ ص: 367 ] الوجه السادس عشر : أن يقال لمن أثبت شيئا من الصفات بالعقل فلا بد أن يأتي في الدلالة على ذلك بقياس شمولي أو قياس تخييلي ، فتقول في الشمولي : كل فعل منقل محكم فإنه يدل على علم فاعله وقدرته وإرادته ، وهذه المخلوقات كذلك فهي . دالة على علم الرب تعالى وقدرته ومشيئته ، وتقول في التمثيل : الفعل المتقن يدل على علم فاعله وقدرته في الشاهد ، فكان دليلا في الغائب ، والدلالة العقلية لا تختلف شاهدا وغائبا ، فلا يمكنك أن تثبت له سبحانه بالعقل صفة أو فعلا إلا بالقياس المتضمن قضية كلية ، إما لفظا كما في قياس الشمول ، وإما معنى كما في قياس التمثيل .

فإذا كنت لا يمكنك ثبات الصانع ولا صفاته إلا بالقياس الذي لا بد فيه من إثبات قدر مشترك بين المقيس والمقيس عليه ، وبين أفراد القضية الكلية ولم يكن هذا عندك تشبيها ممتنعا ، فكيف تنكر معاني ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم وحقائقه بزعمك أنه يتضمن تشبيها ، وهذا من أنفع الأشياء لمن له فهم ، فإن الله أخبر في كتابه بما هو عليه من أسمائه وصفاته ولا بد في الأسماء المشتقة المتواطئة من معنى مشترك بين أفرادها ، فجحد المعطلة حقائقها لما زعموا فيها من التشبيه ، وهم لا يمكنهم إثبات شيء يعتقدونه إلا بنوع من القياس المتضمن التشبيه الذي فروا منه ، لا في جانب النفي ولا في جانب الإثبات ، فهم منكرون ما جاءت به الرسل بما هو من نوعه أو دونه ، وهذا غاية الضلال ، فليتأمل ذلك .

الوجه السابع عشر : أن من ادعى أن رحمة الله مجاز أو اسمه الرحمن الرحيم ، إما أن يثبت لهذا اللفظ معنى أو لا ، والثاني يقر المنازع ببطلانه ، وإذا كان لا بد من إثبات معنى لهذا اللفظ ، فإما أن يتضمن محذورا أو لا ، فإن تضمن محذورا لم يجز إثباته ، وإن لم يتضمن محذورا لم يمكن إثباته لإخراج اللفظ عن حقيقته أولى من بقاء اللفظ على حقيقته ، وإثبات معناه الأصلي ، إذ انتفاء المحذور عن الحقيقة والمجاز واحد ، وتسلم الحقيقة وهي الأصل ، فأما إخراج اللفظ عن حقيقته لأمر لا يتخلص به في المجاز ولا محذور منه في الحقيقة ولا في المجاز معنى له بل هو خطأ محض .

الوجه الثامن عشر : أن الله سبحانه وتعالى فرق بين رحمته والرضوان وثوابه المنفصل فقال تعالى : ( يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم ) فالرحمة والرضوان صفته والجنة ثوابه ، وهذا يبطل قول من جعل الرحمة [ ص: 368 ] والرضوان ثوابا منفصلا مخلوقا ، وقول من قال : هي إرادته الإحسان ، فإن إرادته الإحسان هي من لوازم الرحمة ، فإنه يلزم من الرحمة أن يريد الإحسان إلى المرحوم ، فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها ، وهو إرادة الإحسان ، وكذلك لفظ اللعنة والغضب والمقت هي أمور مستلزمة للعقوبة ، فإذا انتفت حقائق تلك الصفات انتفى لازمها ، فإن ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها ممتنع ، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها .

الوجه التاسع عشر : أن ظهور آثار هذه الصفة في الوجود كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة ، فإن ما لله على خلقه من الإحسان والإنعام شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء ، كما أن الموجودات كلها شاهدة له بالربوبية التامة الكاملة ، وما في العالم من آثار التدبير والتصريف الإلهي شاهد بملكه سبحانه ، فجعل صفة الرحمة واسم الرحمة مجازا كجعل صفة الملك والربوبية مجازا ، ولا فرق بينهما في شرع ولا عقل ولا لغة .

وإذا أردت أن تعرف بطلان هذا القول فانظر إلى ما في الوجود من آثار رحمته الخاصة والعامة ، فبرحمته أرسل إلينا رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل علينا كتابه وعصمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من الغي ، وبرحمته عرفنا من أسمائه وصفته وأفعاله ما عرفنا به أنه ربنا ومولانا ، وبرحمته علمنا ما لم نكن نعلم ، وأرشدنا لمصالح ديننا ودنيانا ، وبرحمته أطلع الشمس والقمر ، وجعل الليل والنهار ، وبسط الأرض ، وجعلها مهادا وفراشا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات ، وبرحمته أنشأ السحاب وأمطر المطر ، وأطلع الفواكه والأقوات والمرعى ، ومن رحمته سخر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل والدر ، وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها ، وكذلك بين سائر أنواع الحيوان .

فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته ، واشتق لنفسه منها اسم الرحمن الرحيم ، وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته ، وبصرهم ومكن لهم أسباب مصالحهم برحمته ، وأوسع المخلوقات عرشه ، وأوسع الصفات رحمته ، فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء ، ولما استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه ، كتب بمقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابا ، فهو عنده وضعه [ ص: 369 ] على عرشه أن رحمته سبقت غضبه ، وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم ، والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة ، فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر ، وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالها ، فبرحمته خلقت ، وبرحمته عمرت بأهلها ، وبرحمته وصلوا إليها ، وبرحمته طاب عيشهم فيها ، وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور ، ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه .

ومن رحمته أنه يعيذ من سخطه برضاه ، ومن عقوبته بعفوه ، ومن نفسه بنفسه ، ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه ، وألقى بينهما المحبة والرحمة ، ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل ، وانتفاع الزوجين ، ويمتع كل واحد منهما بصاحبه ، ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم ، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطلت مصالحهم وانحل نظامها ، وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغني والفقير ، والعزيز والذليل ، والعاجز والقادر ، والراعي والمرعي ، ثم أفقر الجميع إليه ، ثم عم الجميع برحمته .

ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة ، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض ، فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة ، نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها ، فبها تعطف الوالدة على ولدها ، والطير والوحش والبهائم ، وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه .

وتأمل قوله تعالى ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان ) كيف جعل الخلق والتعليم ناشئا عن صفة الرحمة متعلقا باسم الرحمن ، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله : ( تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة ، إذ مجيء البركة كلها منه ، وبه وضعت البركة في كل مبارك ، فكل ما ذكر عليه بورك فيه وكل ما خلي منه نزعت منه البركة ، فإن كان مذكى وخلي منه اسمه كان ميتة ، وإن كان طعاما شارك صاحبه فيه الشيطان ، وإن كان مدخلا دخل معه فيه ، وإن كان حدثا لم يرفع عند كثير من العلماء ، وإن كان صلاة لم تصح عند كثير منهم .

[ ص: 370 ] ولما خلق سبحانه الرحم واشتق لها اسما من اسمه ، فأراد إنزالها إلى الأرض تعلقت به سبحانه فقال : مه ، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، فقال : ألا ترضين أن أقطع من قطعك وأصل من وصلك ؟ وهي متعلقة بالعرش لها حنحنة كحنحنة المغزل ، وكان تعلقها بالعرش رحمة منه بها ، وإنزالها إلى الأرض رحمة منه بخلقه ، ولما علم سبحانه ما تلقاه من نزولها إلى الأرض ومفارقتها لما اشتقت منه رحمها بتعلقها بالعرش واتصالها به ، وقوله : " ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك " .

ولذلك كان من وصل رحمه لقربه من الرحمن ، ورعاية حرمة الرحم ، قد عمر دنياه ، واتسعت له معيشته ، وبورك له في عمره ، ونسئ له في أثره ، فإن وصل ما بينه وبين الرحمن جل جلاله مع ذلك وما بينه وبين الخلق بالرحمة والإحسان تم له أمر دنياه وأخراه ، وإن قطع ما بينه وبين الرحم وما بينه وبين الرحمن أفسد عليه أمر دنياه وآخرته ، ومحق بركة رحمته ورزقه وأثره ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له من العقوبة يوم القيامة من البغي وقطيعة الرحم " ، فالبغي معاملة الخلق بضد الرحمة ، وكذلك قطيعة الرحم ، وإن القوم ليتواصلون وهم فجرة فتكثر أموالهم ويكثر عددهم ، وإن القوم ليتقاطعون فتقل أموالهم ويقل عددهم ، وذلك لكثرة نصيب هؤلاء من الرحمة وقلة نصيب هؤلاء منها .

وفي الحديث : " إن صلة الرحم تزيد في العمر " وإذا أراد الله بأهل الأرض خيرا نشر عليهم أثرا من آثار اسمه الرحمن فعمر به البلاد وأحيا به العباد ، فإذا أراد بهم ضرا أمسك عنهم ذلك الأثر ، فحل بهم من البلاء بحسب ما أمسك عنهم من آثار اسمه الرحمن ، ولهذا إذا أراد الله سبحانه أن يخرب هذه الدار ويقيم القيامة أمسك عن أهلها [ ص: 371 ] أثر هذا الاسم وقبضه شيئا فشيئا ، حتى إذا جاء وعده قبض الرحمة التي أنزلها إلى الأرض ، فتضع لذلك الحوامل ما في بطونها ، وتذهل المراضع عن أولادها ، فيضيف سبحانه تلك الرحمة التي رفعها وقبضها من الأرض إلى ما عنده من الرحمة فيكمل بها مائة رحمة فيرحم بها أهل طاعته وتوحيده وتصديق رسله وتابعهم .

وأنت لو تأملت العالم بعين البصيرة لرأيته ممتلئا بهذه الرحمة الواحدة كامتلاء البحر بمائه والجو بهوائه ، وما في خلاله من ضد ذلك فهو مقتضى قوله : " سبقت رحمتي غضبي " فالمسبوق لا بد لاحق وإن أبطأ ، وفيه حكمة لا تناقضها الرحمة ، فهو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، فسبحان من أعمى بصيرة من زعم أن رحمة الله مجاز .

الوجه العشرون : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقسم صادقا بارا " إن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها " ، وفي هذا إثبات كمال الرحمة ، وأنها حقيقة لا مجازية ، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة أصيبت في السبي ، وكانت كلما مرت بطفل أرضعته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟ " قالوا لا يا رسول الله ، وهي قادرة على أن لا تطرحه ، فقال : " الله أرحم بعباده من هذه بولدها " فإن كانت رحمة الوالدة حقيقة فرحمة الله أولى بأن تكون حقيقة منها ، وإن كانت رحمة الله مجازا فرحمة الوالدة لا حقيقة لها .

التالي السابق


الخدمات العلمية