الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

وثيقة المدينة (المضمون والدلالة)

أحمد قائد الشعيبي

الفصل الرابع: البعد الحضاري

المبحث الأول: التسامح الديني

تمهيد

لم يعرف الغرب الحرية الدينية ولا التسامح الديني إلا منذ قرن ونيف، وذلك بعد قرون مظلمة من التعصب الديني والاضطهاد والمجازر الرهيبة، بين اليهود والمسيحيين ، التي ذهبت ضحيتها أعداد كبيرة من البشر على ساحة الشرق الأوسط، وذلك بعد أن تنصرت الدولة الرومانية في مطلع القرن الرابع الميلادي، وظفرت الكنيسة بسلطة مدنية في عهد الإمبراطور الروماني ( قسطنطين ) ، فأخذ المسيحيون على عاتقهم مهمة أباطرة الرومان السابقة في انتهاك الحرية الدينية للآخرين، حيث شرعوا في اضطهاد اليهود أولا، فأصدر قسطنطين قانونا يقضي بإحراق كل يهودي يمارس على مرأى عبادته، أو يدعو نصرانيا إلى اليهودية، وبإحراق كل نصراني يتهود [1] .

وكان نصارى الإمبراطورية يقومون باضطهاد اليهود انتقاما منهم لاضطهاد المسيح والحكم عليه بالقتل صلبا، كما يعتقدون. لذا شاع قتل اليهود بالصلب والتحريق بالنار. وخلال القرن السادس ظهرت في يهود فلسطين المضطهدين نزعة إلى الأخذ بالثأر من النصارى، وشجعهم على [ ص: 167 ] ذلك قيام حكم باليمن على رأسه « ذو نواس الحميري » الذي نبذ النصرانية واعتنق اليهودية ، فحرضوه على الانتقام من نصارى اليمن الموجودين بنجران ، فحرق كنائسهم وجمع كل معتنقي النصرانية في أخدود وعمل على تصفيتهم بإحراق أجسادهم ودفنهم جملة فيه. وكانت هـذه أول محرقة جماعية يتعرض لها معتنقو النصرانية [2] ، وقد سجل القرآن الكريم [3] هـذه المحرقة المروعة.

واستمر مسلسل التناحر الديني بين اليهود والنصارى ، إذ على إثر هـذه المحرقة تحركت الإمبراطورية الرومانية وطلبت من حليفتها إمبراطورية الحبشة الانتقام من يهود اليمن، والرد على صنيعهم بمثله، فالتجأت اليمن المتهودة إلى إمبراطورية فارس لحمايتها. وهكذا دخل الشرق الأوسط في حرب عالمية دينية : حرب الإمبراطوريتين العظميين، الفرس والروم... وبهذه الحرب دخل العالم دوامة عدم الأمن والتعصب الديني... وكانت المواجهة المباشرة بين الإمبراطوريتين على تراب فلسطين ، التابع للإمبراطورية الرومانية، وقت [ ص: 168 ] ظهور الإسلام، حيث انتصرت فارس على الروم في الجولة الأولى، ثم أعقبها انتصار الروم في بضع سنين كما تنبأ به القرآن [4] ،

قال تعالى: ( الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ) (الروم:1-4) .

وفي ظل ذلك الوضع القائم على التعصب الديني والإرهاب الفكري وسيادة قانون الغاب، بزغت شمس الإسـلام من جزيرة العرب الوثنية، التي لم يكن وضع أهلها أحسن حالا من وضع غيرهم – اليهود والنصارى – لأن القريشيين لم يتحملوا مشاهدة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتآمروا عليه وبعثوا سفيههم فوضع على ظهره حين سجوده سلى جزور [5] وعدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وهكذا كانت حياة العرب قبل الإسلام، " كما جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، حينما سأله نجاشي الحبشة عن هذا الدين الذي فارقوا فيه قومهم: كنا قوما أهل جاهلية : نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله ؛ لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من [ ص: 169 ] دونه من الحجارة والأوثان؛ وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة؛ وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ... فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك " [6] .

ونتيجة لذلك الظلم والعدوان القائم على التعصب الديني والإرهاب الفكري ، أعلن الإسلام بكل صراحة ووضوح عداوته للتطرف والغلو، سواء في الدين أو في التعامل الأخلاقي البشري، متوخيا في دعوته أسلوبا حضاريا راقيا يقوم على مبدأ التسامح ويندد بالتعصب الديني والإرهاب الفكري،

وقد أعلن القرآن ذلك بصراحة ووضوح في قوله تعالى: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ... ) (البقرة:256)

والشواهد النصية على هـذا التوجه الإسلامي كثيرة وهي تتوافق مع بنود «دستور الدولة الإسلامية في المدينة الذي أقر مبدأ التسامح بين جميع الأطراف المتعاقدة من -المسلمين، واليهود، والوثنيين- وترك للإنسان حريته في اختيار فكرته، لأن دولة [ ص: 170 ] الإسلام دولة «الحرية» لا «الحتمية»، قامت على أساس إنساني مفتوح ( ... فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ... ) (الكهف:29) فهي لا تصادر الأفكار والعقائد الأخرى،

وإنما تدفع العدوان من جانب أصحاب تلك الأفكار والعقائد فحسب ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هـم الظالمون ) (الممتحنة:9) .

فإن توقف العدوان فقد تقدست حرمات الإنسان ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) (الممتحنة:8) ،

وبكل جلاء ووضوح يصرح «دستور» الدولة الجديدة في بنوده من رقم (25) إلى رقم (35) أن لكل طرف من الأطراف المتعاقدة دينه ومعتقده، يمارسه بكل حرية في ظل النظام الجديد لهذه الدولة الفتية، التي لا تتلفع بعصبيات الدم والأرض لتصنع عصبية أخرى؛ لأنـها ليست دولة قبيلـة أو دولة مدينة، ولم تكن أيضا دولة دم ولا أرض، وإنما هـي دولة فكرة تفتح أبوابـها لمختلف الأديان ما برئت من نزعات العدوان [7] ، يقول محمد الطالبي : «وكذا يقرر دستور المدينة، بوضوح لا لبس فيه، أن لكل أمة حقها في الحرية الدينية، وأنه لا يحد من حريتها هـذه شيء، سوى عدم الاعتداء على الطرف المقابل وظلمه» [8] . [ ص: 171 ] لقد أدى « الدستور » واجبه في رفع الظلم ودفع الفساد عن الإنسان، ولا شك أن لروح التسامح التي طبعت بنوده أثرا عظيما في ذلك، فالدستور بمضمونه وروحه محاولة جادة لإزالة التمييز العنصري وتنقية العلاقات البشرية من سموم التحاسد الفردي والتطاحن القبلي والتناحر الطائفي والتعصب الديني. «فالتسامح من خصائص دين الإسلام، وهو أشهر مميزاته، وإنه من النعم التي أنعم الله بها على أضداده وأعدائه، وأدل حجة على رحمة الرسالة الإسلامية المقررة بقوله تعالى :

( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:107) » [9] .

وقد ترجم «دستور» المدينة تلك الرحمة بما أقره لليهود من العيش بأمن وسلام إلى جانب المسلمين، يمارسون معتقداتهم وأمور دنياهم الخاصة بهم، التي تضاد معتقد الدولة الإسلامية، التي أرسى دعائمها محمد ( على التسامح والتناصح والبر دون الإثم، معترفا (للآخر) اليهودي بأنه «أمة مع المؤمنين»، دون الالتفات لعقيدته.

«إن الاختلاف ضروري في جبلة البشر، وأنه من طبع اختلاف المدارك وتفاوت العقول في الاستقامة، وهذا المبدأ إذا تخلق به المرء أصبح ينظر إلى الاختلاف نظرة إلى تفكير جبلي، تتفاوت فيه المدارك إصابة وخطأ، لا نظرة إلى الأمر العدواني المثير للغضب» [10] ،

قال تعالى: ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة [ ص: 172 ] واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) (هود:118) . والسر هـنا في بلوغ الإسـلام شأوا بعيدا من التسامح تجاه مخالفيه: أنه لا يجد في منح المخالف حرية العقيدة، وممارسته لشعائر دينه، حرجا يضعف من الثقة بما هـو عليه من الحق المبين: ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) (النمل:79)

ومن ثم فلا تكون تلك الحرية والممارسة لشعائر الدين المخالف مثارا للتعصب أو المشاعر العدائية [11] ومصادرة الآراء والمعتقدات، لأن المسألة لم تكن مسألة تكتيك مرحلي ريثما يتسنى للرسول صلى الله عليه وسلم تصفية أعدائه في الخارج لكي يبدأ تصفية أخرى إزاء أولئك الذين عاهدهم... وحاشاه... إنما أصدر هـذا الموقف السمح المنفتح عن اعتقاد كامل بأن اليهود، باعتبارهم أهل كتاب، سيتجاوبون مع الدعوة الجديدة وينهدون لإسـنادها في لحظـات الخطر والصراع ضد العدو الوثني المشترك [12] ؛ لأنه لا شيء أدعى إلى العنف والاضطراب من أن يسمح دين لمعتقديه أن يبيدوا سائر الأديان الأخرى لأنهم يخالفونهم في الدين، فـ «الصحيفة» تؤكد المبدأ: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم» طبقا لقوله تعالى:

( لكم دينكم ولي دين ) (الكافرون:6) . [ ص: 173 ] وهنا يتبين لنا جليا أن احترام عقائد الآخرين وعدم إكراههم هـو أساس التسامح؛ لأن الإكراه في الدين لا يجوز للأمور التالية:

1- النص الصريح،

حيث يقول الله تعالى: ( لا إكراه في الدين ... ) (البقرة:256) ؛

ويقول تعالى: ( ... أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (يونس:99) .

2- تنافي الإكراه مع طبيعة العقيدة نفسها، من حيث كونها عنصرا نفسيا، ومن المحال تكوين أو تأسيس حقيقة نفسية بالإكراه [13] .

فالقرآن يوصـي بالتسامـح إلى أقصى حد ممكن في الأمور الدينية، كما يوصي بحرية الفكر واحترام جميع الآراء، ويستنكر أي اعتداء على المعتقدات، سواء منها الفردية أو الجماعية، وعلى الناس أن يهتدوا عن طريق الاقتناع الذاتي. فلا يجوز أن تفرض عليهم الآراء، ولكن الذي ينبغي أن يوجه اقتناعهم هـو حرية الاختيار والمقارنة بين الحق والباطل حسبما يمليه عليهم التأمل وإعمال العقل [14] . ويؤكد الثعالبي: «إننا نجد ذكر احترام الديانات الأخرى وحرية المعتقدات واحترام جميع الآراء في ست وثلاثين سورة، وخمس وعشرين ومائة آية. فالتسامح يمثل حينئذ الفكرة الأساسية في القرآن» [15] .

يقول محمد الطاهر بن عاشور: إن التسامح يظهر مفعوله في المواقع التي هـي مظنة ظهور ضده، أعني التعصب، وقد كان للتعصب في الدين مظهران: [ ص: 174 ]

المظهر الأول: في المعاملات العارضة عند الانفعالات الناشئة عن التخالف الديني، وقد أمر القرآن المسلمين بالإغضاء عند مشاهدة مزاولة المخالفين في الدين لرسوم أديانهم،

قال تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) (الأنعام:108) .

المظهر الثاني: في المعاملات الدنيوية التي لا علاقة لها بالانفعالات الدينية، وهي المعاملات التي تعرض بين فريقين مختلفين في الدين متجاورين في مـكان، مثل ما عرض من المعاملـة بين المسـلمين واليهود في المدينة وما جاورها [16] .

وقد تجلت سماحة الإسلام في بنود «الوثيقة» من خلال معاملة المسلمين لليهود، وخاصة إذ اشتركوا معهم في مجالات الحياة، واتبعوا المؤمنين فإن المؤمنين ينصرونهم، ويمدونهم بالمساعدة والمعونة وبكل ما يحتاجون إليه، فقد نصت «الوثيقة» في البند رقم (16) على: «وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم» فالمتعاقدون لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أديانهم إلى أن يقتل بعضهم بعضا أو يعتدي بعضهم على بعض، بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر،

قال تعالى: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) (المائد:2) . [ ص: 175 ] وهذا دليل بين على أن الإسلام قد أرسى مبدأ التواصل الحضاري بصورة مطلقة، دون تحديد للطرف الآخر، الذي يتم التعاون معه على البر والتقوى، إزاحة للعقبات التي تحول دون تحقيق هـذا المبدأ العظيم، حضارة وإنسانية، فالاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة «وأن البر دون الإثم» كما ورد في «الوثيقة».

- بعض مظاهر التسامح

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبق هـذا المبدأ عمليا مع مواطني الدولة الإسلامية في المدينة من غير المسلمين، فكان يحضر ولائم أهل الكتاب، ويغشى مجالسهم ويواسيهم في مصائبهم، ويعاملهم بكل أنواع المعاملات التي يتبادلها المجتمعون في جماعة يحكمها قانون واحد، وتشغل مكانا مشتركا، فكان يقترض منهم ويرهنهم متاعا، ولم يكن ذلك لضرورة أو عجز من أصحابه أن يقرضوه، فكان منهم الذي لا يبخل بماله، ولا يمنعه عنه صلى الله عليه وسلم بل يتلهف على أن يقرضه من غير قيود [17] .

كان من بين الغنائم التي غنمها المسلمون في غزوة خيبر صحائف متعددة من التوراة، فلما جاء اليهود يطلبونها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسليمها لهم [18] . ويدل هـذا على ما كان لهذه الصحائف في نفس الرسول من مكانة. [ ص: 176 ] ( يقول النبي عليه السلام : لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة ) [19] ، من هـذا الجانب السلوكي وما يتفرع عنه من أبعاد ترتبط بالإسلام في شموليته وتكامله ينبثق «التسامح» سمة مميزة تطبع المجتمع، الذي يدعو الإسلام إلى قيامه و «التعايش» فيه بصفته دين «السماحة»، الذي لا ضيق فيه ولا تعصب ولا غلو ولا تطرف، ولا عنف ولا إرهاب، سواء مع (الذات) أو مع (الآخر) [20] .

إن قاعدة التسامح التي قام عليها الإسلام، فتحت أمام الأمة الإسلامية السبيل إلى الاحتكاك الواسع بالأمم والشعوب، وشجعت الحضارة الإسلامية على التفاعل مع الثقافات والحضارات جميعا، ونعني بالتسامح الديني تحديدا أن تكون لكل طائفة في المجتمع الإسلامي الحرية في تأدية شعائر دينها، وأن يكون الجميع أمام قوانين الدولة الإسلامية سواء. وإذا نظرنا إلى الإسلام، من حيث مبادئه وتعاليمه الأصلية، نجد أنه أرقى الأديان في تحقيق مبدأ «التسامح» الذي هـو القاعدة الأولى للتفاعل الحضاري [21] باعتباره ملمحا جامعا يطبع مختلف جوانبه العقدية والتشريعية والسلوكية، يقول غوستاف لوبون : «لقد ألف الرسول بين قلوب العرب بالإسلام، وإنهم - الرسول والمسلمون - اتخذوا ما أمرهم به من العدل والإحسان والتسامح والرأفة بالأمم المظلومة دستورا لهم «... وكان من سياسة العرب الثابتة إذا أرادوا الاستقرار بقطر أن يكونوا على وئام مع الأهليين المغلوبين، وأن يحترموا دينهم، وأن يكتفوا بأخذ الجزية منهم» [22] ؛ [ ص: 177 ] ذلك أنه «ليس لأي إنسان السلطة في أن يفرض على إنسان آخر ما يجب عليه أن يؤمن به أو أن يفعله لأجل نجاة روحه هـو، لأن هـذه المسألة شأن خاص ولا يعني أي إنسان آخر، إن الله لم يمنح مثل هـذه السلطة لأي إنسان ولا لأية جماعة ولا يمكن أي إنسان أن يعطيها لإنسان آخر فوقه إطلاقا» [23] .

يذكر عماد الدين خليل نقلا عن «لويس يونغ» قوله: «... إن التسامح الديني الذي مارسه الإسلام في القرون الوسطى، يفوق التسامح الديني الذي مارسته المسيحية في القرون الوسطى، حيث كاد ألا يكون هـناك أي تساهل ديني مع اليهود أو المسلمين والآخرين الذين خضعوا لسلطان المسيحية». [24] وخلاصة القول: إن «دستور» المدينة، الذي تعاقد فيه المسلمون مع غيرهم من أهل الديانات الأخرى فنشأ عن ذلك أول ميثاق -عصبة أمم- أساسه النصر للمظلوم، والنصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وحرمة الوطن المشترك، كان - هـذا الدستور- الأساس المتين للدولة العالمية، وللمعاملات الدولية القائمة على أساس الحرية للمشتركين فيه وعلى مبدأ الاستقلال، كما أنه أعطى كل ذي حق حقه، فلا ظلم ولا أنانية ولا تحيز لطرف على آخر. [ ص: 178 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية