الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [ ص: 233 ] 1 - باب

                                الوضوء قبل الغسل

                                خرج فيه حديثين :

                                الحديث الأول :

                                245 248 - حديث مالك ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء ، فيخلل بها أصول شعره ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ، ثم يفيض الماء على جلده كله .

                                التالي السابق


                                غسل اليدين [...] قبل الوضوء شبه غسلهما للمتوضئ قبل إدخالهما في الإناء .

                                وروى هذا الحديث وكيع ، عن هشام ، وقال في حديثه : ( يغسل يديه ثلاثا ) .

                                خرجه مسلم من طريقه كذلك .

                                واستحسن أحمد هذه الزيادة من وكيع .

                                وقال أبو الفضل ابن عمار : ليست عندنا بمحفوظة .

                                [ ص: 234 ] قلت : تابعه - أيضا - على ذكر الثلاث في غسل الكفين مبارك بن فضالة ، عن هشام .

                                خرج حديثه ابن جرير الطبري .

                                ومبارك ليس بالحافظ .

                                وكذلك رواها ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة .

                                وقد رويت - أيضا - من حديث أبي سلمة ، عن عائشة ، وسيأتي حديثه .

                                وقد روي أنه غسلهما قبل الاستنجاء ، ثم استنجى ، ثم دلكهما بالأرض ، ثم غسلهما قبل الوضوء مرتين أو ثلاثا . وسيأتي ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى .

                                وقول عائشة : ( ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ) - يدل على أنه توضأ وضوءا كاملا ، قبل غسل رأسه وجسده .

                                وروى أبو معاوية الضرير هذا الحديث ، عن هشام ، وزاد في آخر الحديث : ( ثم غسل رجليه ) .

                                خرجه مسلم .

                                وتابعه عليها محمد بن [كناسة ] ، عن هشام .

                                خرج حديثه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في ( كتاب الشافعي ) [ ... ].

                                وذكر أبو الفضل ابن عمار أن هذه الزيادة ليست بمحفوظة .

                                [ ص: 235 ] قلت : ويدل على أنها غير محفوظة عن هشام أن أيوب روى هذا الحديث عن هشام ، وقال فيه : فقلت لهشام : يغسل رجليه بعد ذلك ؟ فقال : وضوءه للصلاة ، وضوءه للصلاة . أي : أن وضوءه في الأول كاف . ذكره ابن عبد البر .

                                وهذا يدل على أن هشاما فهم من الحديث أن وضوءه قبل الغسل كان كاملا بغسل الرجلين ; فلذلك لم يحتج إلى إعادة غسلهما .

                                وقد روى حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغتسل من الجنابة يغسل يديه ثلاثا ، ثم يأخذ بيمينه فيصب على شماله ، فيغسل فرجه حتى ينقيه . ثم يغسل يده غسلا حسنا ، ثم يمضمض ثلاثا ويستنشق ثلاثا . ويغسل وجهه ثلاثا ، وذراعيه ثلاثا ثلاثا ، ثم يصب على رأسه الماء ثلاثا . ثم يغتسل ، فإذا خرج غسل قدميه .

                                خرجه الإمام أحمد ، عن عفان ، عن حماد .

                                وخرجه ابن جرير الطبري ، من طريق حجاج بن منهال ، عن حماد - به . وفي روايته : ثم يغسل جسده غسلا ، فإذا خرج من مغتسله غسل رجليه .

                                وخرجه الطبراني في ( الأوسط ) من طريق مؤمل ، عن حماد ، عن عطاء بن السائب وعلي بن زيد ، عن أبي سلمة ، عن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا [ ص: 236 ] اغتسل من جنابة غسل كفيه ثلاثا قبل أن يغمسهما في الإناء ، ثم يأخذ الماء بيمينه فيصبه على شماله ، ثم يغسل فرجه . ثم يتمضمض ثلاثا ، ويستنشق ثلاثا ، ثم يغسل وجهه ثلاثا ، ويغسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا . ثم يصب على رأسه الماء واحدا واحدا ، فإذا خرج من مغتسله غسل قدميه .

                                وخرجه النسائي بمعناه ، ولم يذكر غسل رجليه في الآخر ، وعنده أنه صب على رأسه ثلاثا .

                                وفي رواية له : ( ملء كفيه ) .

                                وروى الإمام أحمد : ثنا هشيم : أنا خالد ، عن رجل من أهل الكوفة ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من مغتسله حيث يغتسل من الجنابة يغسل قدميه .

                                وروى الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة . وحدثني عمرو بن سعد ، عن نافع مولى ابن عمر - أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغسل من الجنابة .

                                قال الأوزاعي : واتفقت الأحاديث على هذا ، يبدأ فيفرغ على يده اليمنى مرتين أو ثلاثا ، ثم يدخل يده اليمنى في الإناء ، فيصب بها على فرجه ، ويده اليسرى على فرجه ، فيغسل ما هنالك حتى ينقيه . ثم يضع اليسرى على التراب إن شاء ، ثم يصب على يده اليسرى حتى ينقيها . ثم يغسل يديه ثلاثا ، ويستنشق [ ص: 237 ] ويمضمض ، ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثا ثلاثا ، حتى إذا بلغ رأسه لم يمسحه ، وأفرغ عليه الماء . وهكذا كان [غسل] رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لنا .

                                خرجه النسائي .

                                وهذا مما رواه الأوزاعي بالمعنى الذي فهمه من حديث عائشة وحديث عمر ، وليس هو لفظ حديثهما ، ولكنه إلى لفظ حديث عمر أقرب ; فإن حديث عمر روي بمعنى مقارب لما قاله الأوزاعي من غير طريقه .

                                خرجه الإمام أحمد من طريق شعبة ، عن عاصم بن عمرو البجلي ، عن رجل حدثه ، أنهم سألوا عمر عن غسل الجنابة ، وعن صلاة التطوع في البيت ، وعما يصلح للرجل من امرأته وهي حائض - فقال : لقد سألتموني عن شيء ما سألني عنه أحد منذ سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال : صلاة الرجل في بيته تطوعا نور ، فمن شاء نور بيته ! وقال في الغسل من الجنابة : ( يغسل فرجه ، ثم يتوضأ ، ثم يفيض على رأسه ثلاثا ) ، وقال في الحائض : ( ما فوق الإزار ) .

                                وخرجه الإسماعيلي في ( مسند عمر ) ، من طريق أخرى ، عن عاصم .

                                وفي بعض رواياته : ( توضأ وضوءك للصلاة ، ثم أفض الماء على رأسك ، ثم على جسدك ، ثم تنح من مغتسلك فاغسل رجليك )

                                وفي رواية له : عن عاصم ، عن عمير مولى عمر ، أن نفرا سألوا عمر - فذكر الحديث ، وقال في حديثه : ( وأما الغسل ، فتفرغ بشمالك على يمينك ، [ ص: 238 ] ثم تدخل يدك في الإناء ، ثم تغسل فرجك وما أصابك ، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات ، تدلك رأسك كل مرة ، ثم تغسل سائر جسدك ) .

                                ورواه ابن أبي ليلى ، عن عاصم بن عمرو البجلي ، عن عمرو بن شرحبيل وهو أبو ميسرة ، عن عمر وقد ذكر الحديث ، وقال فيه : ( وأما الغسل من الجنابة فصب بيمينك على شمالك واغسلها واغسل فرجك ، وتوضأ وضوءك للصلاة ، ثم أفض على رأسك وجسدك ، ثم تحول فاغسل قدميك ) .

                                خرجه الإسماعيلي .

                                وقد فهم الأوزاعي من حديث عمر وعائشة أن الوضوء يكون ثلاثا ثلاثا إلى مسح الرأس ، ولا يمسح الرأس ، بل يصب عليه الماء ثلاث مرات ، فيكتفي بغسله للجنابة عن مسحه ، ثم يصب الماء على سائر جسده ، ويغسل رجليه .

                                فأما القول باستحباب تثليث الوضوء قبل غسل الجنابة فقد نص عليه سفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأصحابنا ، ولم ينص أحمد إلا على تثليث غسل كفيه ثلاثا ، وعلى تثليث صب الماء على الرأس .

                                وأما القول بأنه لا يمسح رأسه ، بل يصب عليه الماء صبا ، ويكتفي بذلك عن مسحه وغسله للجنابة - فهذا قد روي صريحا عن ابن عمر .

                                ونص عليه إسحاق بن راهويه ، نقله عنه حرب .

                                ونقله أبو داود ، عن أحمد .

                                ونقل عنه ، قال : لا يغسل رجليه قبل الغسل .

                                وروي عن ابن عمر أنه قال : توضأ وضوءك للصلاة ، إلا رجليك .

                                وظاهر هذا أنه يمسح رأسه ولا يغسل رجليه ، وهو قول الثوري وغيره من العلماء .

                                [ ص: 239 ] والاكتفاء بغسل الرأس عن مسحه يدل على أن غسل الرأس في الوضوء يجزئ عن مسحه ، لكنه في الوضوء المفرد مكروه ، وفي الوضوء المقرون بالغسل غير مكروه .

                                وذهبت طائفة من العلماء إلى أنه يكمل وضوءه كله ، بمسح رأسه ، وغسل قدميه قبل الغسل . وهو المشهور عند أصحابنا ، وهو قول الخلال وصاحبه أبي بكر ، وهو قول مالك والشافعي في أشهر قوليه ; لظاهر حديث عائشة الذي خرجه البخاري هاهنا .

                                وقالوا : حديث عائشة حكاية عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الدائم في غسله للجنابة ، وأما ميمونة التي روت تأخير غسل رجليه فإنها حكت غسله في واقعة عين ، ولكن قد تبين أنه روي عن عائشة ما يوافق حديث ميمونة في تأخير غسل القدمين . ولم يأت عنها ولا عن غيرها التصريح بمسح الرأس في الوضوء .

                                ونص أحمد - في رواية جماعة - على أنه مخير بين تكميل الوضوء أولا ، وبين تأخير غسل الرجلين إلى أن يكمل الغسل .

                                وحكي للشافعي في تكميل الوضوء أولا قبل الغسل قولان :

                                نقل عنه البويطي تأخير غسل الرجلين .

                                والأصح عند أصحابه التكميل .

                                وقال سفيان الثوري : يتوضأ ثلاثا ثلاثا إلى أن ينتهي إلى رأسه ، فيمسحه مرة ، ثم يفيض عليه ثلاثا ، ويبالغ بالماء أصول الشعر . ويغسل لحيته وأذنيه ظاهرهما وباطنهما ، ثم يفرغ على سائر جسده من الماء ، ثم يتنحى عن مكانه ، فيغسل قدميه .

                                هكذا حكى أصحابه عنه في كتبهم .

                                والذين قالوا : يكمل وضوءه قبل الغسل - قالوا : لا يعيد غسل قدميه بعده .

                                [ ص: 240 ] قاله إبراهيم النخعي ومسلم بن يسار وهشام بن عروة وأبو الأسود يتيم عروة ، ونص عليه أحمد .

                                ومن أصحابنا من قال : يستحب إعادة غسل قدميه إذا انتقل من مكانه ; تطهيرا لهما وتنظيفا .

                                وحكى الترمذي في ( كتابه ) ذلك عن أهل العلم .

                                وفيه نظر .

                                وقد كان الشعبي إذا خرج من الحمام يخوض ماء الحمام ، ولا يغسل قدميه .

                                وروى ابن أبي شيبة ، عن الأسود بن عامر ، عن حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما يغتسل يخرج من الكنيف ، يغسل قدميه .

                                وخرجه عنه بقي بن مخلد في ( مسنده ) .

                                وهو مختصر من حديث صفة الغسل الذي سبق ذكره .

                                وذكر الكنيف فيه غريب .



                                الخدمات العلمية