الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                        صفحة جزء
                                                        347 - حدثنا أحمد قال : ثنا مسدد قال : ثنا حماد بن زيد ، عن عاصم ، عن زر ، عن علي رضي الله عنه ، مثله .

                                                        قال أبو جعفر : فقد ثبت بهذه الآثار التي رويناها صحة قول من ذهب إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين .

                                                        فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار .

                                                        وأما وجهه من طريق النظر ، فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه - حدث .

                                                        فقال قوم : هو أغلظ الأحداث ، فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات ، وهو الغسل .

                                                        وقال قوم : هو كأخف الأحداث ، فأوجبوا فيه أخف الطهارات ، وهو الوضوء .

                                                        [ ص: 61 ] فأردنا أن ننظر إلى التقاء الختانين : هل هو أغلظ الأشياء فنوجب فيه أغلظ ما يجب في ذلك ؟

                                                        فوجدنا أشياء يوجبها الجماع ، وهو فساد الصيام والحج ، فكان ذلك بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال ، ويوجب ذلك في الحج ، الدم ، وقضاء الحج ، ويوجب في الصيام ، القضاء والكفارة ، في قول من يوجبها .

                                                        ولو كان جامع فيما دون الفرج ، وجب عليه في الحج دم فقط ، ولم يجب عليه في الصيام شيء إلا أن ينزل ، وكل ذلك محرم عليه في حجه وصيامه ، وكان من زنى بامرأة حد ، وإن لم ينزل ، ولو فعل ذلك على وجه شبهة ، فسقط بها الحد عنه ، وجب عليه المهر .

                                                        وكان لو جامعها فيما دون الفرج ، لم يجب عليه في ذلك حد ولا مهر ، ولكنه يعزر إذا لم تكن هناك شبهة . وكان الرجل إذا تزوج المرأة فجامعها جماعا لا خلوة معه في الفرج ثم طلقها ، كان عليه المهر أنزل أو لم ينزل ، ووجبت عليها العدة وأحلها ذلك لزوجها الأول .

                                                        ولو جامعها فيما دون الفرج لم يجب في ذلك عليه شيء ، وكان عليه في الطلاق نصف المهر ، إن كان سمى لها مهرا ، أو المتعة إذا لم يكن سمى لها مهرا .

                                                        فكان يجب في هذه الأشياء التي وصفنا ، التي لا إنزال معها أغلظ ما يجب في الجماع الذي معه الإنزال ، من الحدود والمهور ، وغير ذلك .

                                                        فالنظر على ذلك ، أن يكون كذلك ، هو في حكم الأحداث ، أغلظ الأحداث ، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث ، وهو الغسل .

                                                        وحجة أخرى في ذلك ، أنا رأينا هذه الأشياء التي وجبت بالتقاء الختانين ، فإذا كان بعدها الإنزال لم يجب بالإنزال حكم ثان ، وإنما الحكم لالتقاء الختانين .

                                                        ألا ترى أن رجلا لو جامع امرأة جماع زناء ، فالتقى ختاناهما ، وجب الحد عليهما بذلك ، ولو أقام عليها حتى أنزل لم يجب بذلك عليه عقوبة غير الحد الذي وجب عليه بالتقاء الختانين ، ولو كان ذلك الجماع على وجه شبهة ، فوجب عليه المهر بالتقاء الختانين ، ثم أقام عليها حتى أنزل ، لم يجب عليه في ذلك الإنزال شيء ، بعد ما وجب بالتقاء الختانين وكان ما يحكم به في هذه الأشياء على من جامع فأنزل ، هو ما يحكم به عليه إذا جامع ولم ينزل ، وكان الحكم في ذلك هو لالتقاء الختانين لا للإنزال الذي يكون بعده .

                                                        فالنظر على ذلك ، أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل ، هو بالتقاء الختانين لا بالإنزال الذي يكون بعده .

                                                        فثبت بذلك قول الذين قالوا : إن الجماع يوجب الغسل ، كان معه إنزال أو لم يكن .

                                                        وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، وعامة العلماء رحمهم الله تعالى .

                                                        التالي السابق


                                                        الخدمات العلمية