الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 515 ] 57 - قوله: (ص): "قول الصحابي - رضي الله عنه - : كنا نفعل" إلى آخره.

حاصل كلام حكاية قولين:

أحدهما: أنه موقوف جزما.

وثانيهما: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون مرفوعا. وبه صرح الجمهور.

ويدل عليه احتجاج أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - على جواز العزل بفعلهم له في زمن نزول الوحي فقال: "كنا نعزل والقرآن ينزل لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن" .

وهو استدلال واضح، لأن الزمان كان زمان التشريع.

وإن لم يضفه إلى زمنه فموقوف.

[ مذاهب العلماء في قول الصحابي كنا نفعل كذا :]

وأهمل المصنف مذاهب:

الأول: أنه مرفوع مطلقا وقد حكاه شيخنا وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما وأكثر منه البخاري .

[ ص: 516 ] الثاني: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا فيكون مرفوعا أو يخفى فيكون موقوفا.

وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي .

وزاد ابن السمعاني في كتاب القواطع فقال: "إذا قال الصحابي: كانوا يفعلون كذا وأضافه إلى عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان مما لا يخفى مثله، فيحمل على تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون شرعا.

وإن كان مثله يخفى فإن تكرر منهم حمل أيضا - على تقريره لأن الأغلب فيما يكثر أنه لا يخفى - والله أعلم - .

الثالث: إن أورده الصحابي في معرض الحجة حمل على الرفع وإلا فموقوف حكاه القرطبي .

قلت: وينقدح أن يقال إن كان قائل كنا نفعل من أهل الاجتهاد احتمل أن يكون موقوفا وإلا فهو مرفوع ولم أر من صرح بنقله.

قلت: ومع كونه موقوفا فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟ فيه خلاف مذكور في الأصول جزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يشعر به مثل: كان الناس يفعلون كذا فمن قبيل نقل الإجماع وإلا فلا.

[ ص: 517 ] تنبيهات:

الأول: قول الصحابي - رضي الله عنه - كنا نرى كذا - ينقدح فيها من الاحتمال أكثر مما ينقدح في قوله كنا نقول أو نفعل لأنها من الرأي ومستنده قد يكون تنصيصا أو استنباطا.

الثاني: قوله: كان يقال: كذا.

قال الحافظ المنذري : اختلفوا هل يلتحق بالمرفوع أو الموقوف؟

قال: والجمهور على أنه إذا أضافه إلى زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون مرفوعا.

قلت: ومما يؤيد أن حكمها الرفع مطلقا ما رواه النسائي من حديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال:

"كان يقال: صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر" .

فإن ابن ماجه رواه من الوجه الذي أخرجه منه النسائي بلفظ "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –".

[ ص: 518 ] فدل على أنها عندهم من صيغ الرفع - والله أعلم - .

الثالث: لا يختص جميع ما تقدم بالإثبات، بل يلتحق به النفي كقولهم: كانوا لا يفعلون كذا. ومنه قول عائشة - رضي الله عنها – "كانوا لا يقطعون اليد في الشيء التافه" - والله أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية