الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
106 - قوله: (ص): "فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين" .

[اعتراض النووي على ابن الصلاح ] :

اعترض عليه الشيخ محيي الدين بقوله: لا يصح التمثيل بهذا الحديث; لأنه لم ينفرد به، بل وافقه في الزيادة عمر بن نافع بن عمر والضحاك بن عثمان .

والأول في صحيح البخاري ، والثاني في صحيح مسلم .

[تعقب التبريزي على النووي :]

وتعقب الشيخ تاج الدين التبريزي كلام الشيخ محيي الدين بقوله: إنما مثل به حكاية على الترمذي ، فلا يرد عليه شيء". انتهى.

[تعقب الحافظ على التبريزي :]

وهذا التعقب غير مرضي; لأن الإيراد على المصنف من جهة عدم مطابقة المثال للمسألة المفروضة ولو كان حاكيا، لأنه أقره فرضية وعلى تقدير عدم الورود من هذه الحيثية، فيرد عليه من جهة تعبيره لعبارة الترمذي ، لأن الترمذي لم يطلق تفرد مالك به كما بينه شيخنا عنه.

[ ص: 697 ] ثم راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة قد أطلق كما حكاه عنه المصنف. ولفظه: "حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - رواه مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - نحو حديث أيوب ، وزاد فيه، من المسلمين"، ورواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه "من المسلمين".

وفي "كتاب العلل المفرد" قد قيد كما حكاه عنه شيخنا .

فكأن ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل والله أعلم.

وأما قول شيخنا: اختلف في زيادتها على عبيد الله بن عمر وعلى أيوب وأحال في بيان ذلك على شرح الترمذي ، فقد رأيت بيان ذلك هنا.

قال ابن عبد البر : "ذكر أحمد بن خالد أن بعض أصحابه حدثه عن يوسف بن يعقوب القاضي عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب وقال فيه: "من المسلمين".

وقال ابن عبد البر : وهو خطأ على أيوب والمحفوظ فيه عنه من رواية الحمادين وابن علية وسلام بن أبي مطيع .

[ ص: 698 ] وعبد الوارث وعبد الله بن شوذب وغيرهم ليس فيه: "من المسلمين".

قلت: بل رواية عبد الله بن شوذب عن أيوب قال فيها: "من المسلمين".

كذلك رواه ابن خزيمة في صحيحه عن الحسن بن عبد الله بن منصور الأنطاكي عن محمد بن كثير عنه.

ثم قال ابن عبد البر : "ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر - رضي الله عنهما- فزاد فيه: "من المسلمين". ثم ساقه من طريقه بإسناده وقال: رواه يحيى القطان وبشر بن المفضل وأبو أسامة وغيرهم عن عبيد الله فلم يذكروها.

قلت: وصلها الدارقطني في السنن - أيضا - والحاكم في "المستدرك" من طريق سعيد بن عبد الرحمن .

وقد أشار أبو داود في السنن إلى رواية سعيد بن عبد الرحمن هذه وقال: المشهور عن عبيد الله ليس فيه "من المسلمين".

وقد رواه الدارقطني في السنن عن أبي محمد بن صاعد ، عن [ ص: 699 ] محمد بن عبد الملك بن زنجويه عن عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن عبيد الله بن عمر - رضي الله عنهما - وقال فيه: "على كل مسلم "، ثم رواه عن محمد بن إسماعيل الفارسي عن إسحاق الدبري ، عن عبد الرزاق عن الثوري عن عبيد الله بن عمر وابن أبي ليلى كلاهما عن نافع مثله .

قلت: ولم يذكر شيخنا رواية ابن أبي ليلى هذه.

وقد روى - أيضا - ممن لم يذكره شيخنا عن أيوب بن موسى وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد الأنصاري هكذا عزاه العلامة مغلطاي لتخريج البيهقي ، ولم أر ذلك في السنن الكبير ولا في المعرفة ولا في السنن الصغرى ولا في الخلافيات.

فإن كان لذلك صحة، فتكون رويت عنهم من طرق غريبة، والمشهور عنهم بدون هذه الزيادة - والله أعلم - .

تنبيه:

ذكر أبو بكر الرازي الحنفي أن هذه الجملة ليست زيادة في الحديث، [ ص: 700 ] وإنما هما حديثان قالهما النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقتين:

أحدهما: بالإطلاق للعموم.

والآخر: بتخصيص بعض أفراده بالذكر.

وفيه نظر، وإنما يتأتى هذا إذا كان الاختلاف من الصحابة - رضي الله عنهم - الرواة للحديثين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وأما هذا الحديث، فإن مخرجه واحد بترجمة واحدة فلا يتأتى (ما) ذكره - والله أعلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية