الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الحكم الثاني - فيما يؤدى بالتيمم - لا يصلي بالتيمم الواحد إلا فريضة واحدة ، وسواء كانت الفريضتان متفقتين أو مختلفتين ، كصلاتين ، وطوافين ، أو صلاة وطواف . أو متفقين ، كظهرين ، أو مكتوبة ومنذورة ، أو منذورتين ، [ ص: 117 ] فلا يجوز الجمع بينهما بتيمم . وفي قول أو وجه ضعيف : يجوز في منذورتين ، وفي منذورة ومكتوبة ، وفي وجه شاذ : يجوز في فوائت وفائتة ومؤداة . والصبي كالبالغ على المذهب . وقيل : وجهان . الثاني : يجمع بين مكتوبتين بتيمم . ويجوز أن يجمع بتيمم بين فريضة ونوافل . وأما ركعتا الطواف ، فإن قلنا بالأصح : إنهما سنة ، فلهما حكم النوافل . وإن قلنا : واجبتان ، لم يجز أن يجمع بينهما وبين الطواف الواجب على الأصح . وكذا لا يجمع بين خطبة الجمعة وصلاتها على الأصح . إذا شرطنا الطهارة في الخطبة . وأما صلاة الجنازة ، ففيها ثلاثة طرق . أحدها : في المسألة قولان . أحدهما : لها حكم النافلة مطلقا ، فيجوز الجمع بين صلوات الجنائز ، وبين جنائز ومكتوبة بتيمم واحد . ويجوز صلاتها قاعدا مع القدرة على القيام ، ويجوز على الراحلة . والثاني : لها حكم الفرائض . فلا يجوز شيء من هذا . والطريق الثاني : إن تعينت ، فكالفرائض ، وإلا فكالنوافل . والثالث : لها حكم النوافل مطلقا ، إلا أنه لا يجوز القعود فيها ، والمذهب : أنه يجوز الجمع بتيمم بكل حال . ولو صلى على جنازتين صلاة واحدة ، فقيل : يجوز قطعا ، وقيل : على الخلاف .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا نسي صلاة من صلوات ، نظر ، إن كانت متفقة ، كظهر من أسبوع ، لزمه ظهر واحدة بتيمم . وإن نسي صلاة من الخمس ، لزمه الخمس ، وكفاه تيمم واحد للجميع على الصحيح . وعلى الثاني : يجب خمسة تيممات . ثم قال الشيخ أبو علي : الخلاف تفريع على أن تعيين الفريضة التي تيمم لها غير واجب ، فإن أوجبناه ، لزمه خمس تيممات قطعا . ويحتمل خلاف ما قال أبو علي .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا المحكي عن أبي علي ، قد حكاه الدارمي عن ابن المرزبان ، [ ص: 118 ] واختار الدارمي طرد الخلاف وإن أوجبنا التعيين . وهذا أصح . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو نسي صلاتين مختلفتين من الخمس ، لزمه الخمس . فإن قلنا : في الواحدة يلزمه خمس تيممات . فكذا هاهنا . وإن قلنا يكفيه تيمم واحد ، فقال ابن القاص : يتيمم لكل واحدة ، ويقتصر على الخمس . وقال ابن الحداد : يقتصر على تيممين ، ويزيد في الصلوات ، فيصلي بالأول الصبح والظهر والعصر والمغرب . وبالثاني : الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال الأكثرون : وهو مخير ، إن شاء عمل بقول ابن القاص ، وإن شاء

                                                                                                                                                                        [ عمل ] بقول ابن الحداد . فظاهر كلام ابن القاص في " التلخيص " : أنه لا يجوز ما ذكره ابن الحداد . وحكي وجه : أنه يتيمم تيممين ، ويصلي بكل واحد الخمس ، وهو شاذ . والمستحسن عند الأصحاب : طريقة ابن الحداد . وعليها يفرعون ما زاد من المنسي . ولها ضابط ، وشرط . فضابطها : أن تزيد على قدر المنسي فيه عددا لا ينقص عما تبقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي ، وينقسم المجموع صحيحا على المنسي .

                                                                                                                                                                        مثاله : مسألتنا ، المنسي صلاتان ، والمنسي فيه خمس ، تزيده ثلاثة ، لأنه لا تنقص عما يبقى من الخمس بعد إسقاط الاثنين بل تساويه . والمجموع : وهو ثمانية ، ينقسم على الاثنين صحيحا . ولو صلى عشرا كما قاله الوجه الشاذ ، أجزأه ، وكان قد زاد خيرا لدخوله في الضابط .

                                                                                                                                                                        وأما شرطها : فإن يبتدئ من المنسي فيه بأية صلاة شاء ، ويصلي بكل تيمم ما تقتضيه القسمة ، ويترك في كل مرة ما ابتدأ به في التي قبلها ، ويأتي في المرة الأخيرة بما بقي من الصلوات . ولو نسي ثلاث صلوات من يوم وليلة ، فعلى طريقة ابن القاص ، يصلي كل واحدة من الخمس بتيمم ، وعلى الوجه الشاذ : يتيمم ثلاث مرات ، يصلي بكل واحد الخمس ، وعلى طريقة ابن الحداد ، يقتصر على ثلاث تيممات ، ويصلي بالأول : الصبح والظهر والعصر . وبالثاني : الظهر والعصر [ ص: 119 ] والمغرب . وبالثالث : العصر والمغرب والعشاء . وله مخالفة هذا الترتيب إذا وفى بالشرط .

                                                                                                                                                                        أما إذا نسي صلاتين متفقتين ، فعليه أن يصلي كل واحدة من الخمس مرتين ، فعلى الوجه الضعيف في أول المسألة : يجب لكل صلاة تيمم ، فيتيمم عشر تيممات . وعلى الصحيح : يكفيه تيممان يصلي بكل واحد الخمس ، ولا يكتفي بثمان صلوات لاحتمال كون المنسيين ، صبحين أو عشاءين ، وما صلاهما إلا مرة مرة . أما إذا لم يعلم ، هل الفائتتان مختلفتان ، أم متفقتان ؟ فيلزمه الأحوط ، وهو أنهما متفقتان . أما إذا ترك صلاة مفروضة ، أو طوافا مفروضا ، واشتبه عليه ، فيأتي بطواف ، وبالصلوات الخمس بتيمم واحد على الصحيح . وعلى الضعيف : بست تيممات ، ولو صلى منفردا بتيمم ، ثم أراد إعادتها مع جماعة بذلك التيمم ، جاز إن قلنا : الثانية سنة . وكذا إن قلنا : الفرض إحداهما لا بعينها على الصحيح ، كالمنسية . ولو صلى الفرض بالتيمم على وجه ، يجب معه القضاء ، وأراد القضاء بذلك التيمم . فإن قلنا : الفرض الأول جاز . وإن قلنا : الثاني أو كلاهما فرض ، لم يجز ، وإن قلنا : أحدهما لا بعينه ، جاز على الصحيح .

                                                                                                                                                                        قلت : ينبغي إذا قلنا : الثانية فرض أن يجوز ، لأنه جمع بين فرض ونافلة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية