الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المستحاضة الرابعة : المعتادة الذاكرة المميزة . إن اتفقت عادتها والتمييز بأن كانت تحيض خمسة من أول الشهر ، وتطهر باقيه ، فاستحيضت ، ورأت خمسها سوادا ، وباقي الشهر حمرة ، فحيضها تلك الخمسة .

                                                                                                                                                                        وإن لم تتوافق العادة والتمييز ، ولم يتخلل بينهما أقل الطهر ، بأن كانت تحيض خمسة ، فرأت في دور عشرة سوادا ، ثم حمرة مستمرة ، فثلاثة أوجه ، أصحها : تعمل بالتمييز ، فحيضها العشرة . والثاني : بالعادة ، فحيضها خمسة من أوله . والثالث : إن أمكن الجمع بينهما ، عمل بالدلالتين ، وإلا سقطتا ، وكانت كمبتدأة لا تمييز لها ، وفيها القولان .

                                                                                                                                                                        مثال إمكان الجمع ما ذكرنا من عشرة السواد وعدم إمكانه ، بأن ترى خمستها حمرة ، وأحد عشر عقبها سوادا .

                                                                                                                                                                        أما إذا تخلل بينهما أقل الطهر ، بأن رأت عشرين فصاعدا دما ضعيفا ، ثم خمسة قويا ، ثم ضعيفا ، وعادتها القديمة خمسة ، فقدر العادة حيض للعادة ، والقوي حيض آخر ؛ لأن بينهما طهرا كاملا . هذا هو الصحيح .

                                                                                                                                                                        ومنهم من بنى هذه الصورة على السابقة ، فقال : إن قدمنا التمييز ، فحيضها خمسة السواد ، وطهرها المتقدم عليه خمسة وأربعون ، وصار دورها خمسين .

                                                                                                                                                                        وإن قدمنا العادة فحيضها من أول الشهر ، خمسة وبعدها عشرون طهرا ، وإن جمعنا فحيضها الخمسة الأولى بالعادة وخمسة السواد بالتمييز .

                                                                                                                                                                        [ ص: 151 ] فرع .

                                                                                                                                                                        العادة التي ترد إليها المعتادة ، ليس من شرطها أن تكون عادة حيض وطهر صحيحين بلا استحاضة ، بل قد تكون كذلك ، وقد تكون مستفادة من التمييز ، بأن ترى المبتدأة خمسة سوادا ، ثم خمسة وعشرين حمرة ، وهكذا مرارا ، ثم يستمر السواد والحمرة في بعض الشهور ، فقد عرفنا أن عادتها خمسة من أول كل شهر ، فترد إليه على الصحيح المعروف .

                                                                                                                                                                        وعلى الشاذ : هي كمبتدأة غير مميزة . ولو كانت بحالها ، فرأت في بعض الأدوار عشرة سوادا ، وباقي الشهر حمرة ، ثم استمر السواد في الذي بعده ، فقال الأئمة : فحيضها عشرة السواد ، ومردها بعد ذلك عشرة .

                                                                                                                                                                        ولو اعتادت خمسة سوادا ، ثم استمر الدم ، ثم رأت في بعض الأدوار عشرة ، ردت في ذلك الدور إلى العشرة . وفي هاتين الصورتين إشكالان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : أن الصورة الثانية ، ينبغي أن تخرج على الخلاف في اجتماع العادة والتمييز .

                                                                                                                                                                        والثاني : أن ردها إلى العشرة في الصورة الأولى ، طاهر إذا أثبتنا العادة بمرة ، وإلا فينبغي ألا تكتفي بسبق العشرة مرة .

                                                                                                                                                                        قال الغزالي في الجواب عن هذا : هذه عادة تمييزية ، فتنسخها مرة ، فلا يجري فيها الخلاف كغير المستحاضة ، إذا تغيرت عادتها القديمة مرة ، فإنا نحكم بالحالة الناجزة . وللمعترض أن يقول : لم اختص الخلاف بغير التمييزية ؟ .

                                                                                                                                                                        قلت : قد نقل الخلاف في هذه الصورة وتخريجها على الخلاف في ثبوت العادة بمرة جماعة كثيرة منهم القاضي أبو الطيب ، والمحاملي ، والسرخسي ، والشيخ أبو الفتح المقدسي وصاحب ( البيان ) وغيرهم .

                                                                                                                                                                        وقد أوضحت ذلك في ( شرح المهذب ) [ ص: 152 ] ونقلت فيه عباراتهم . وعجب من الإمام الرافعي ، كونه لم يذكر هذا الخلاف . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية