الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة التاسعة : إذا دخل كافر دار الإسلام بأمان أو ذمة ، كان ما معه من المال والأولاد في أمان ، فإن شرط الأمان في المال والأهل ، فهو تأكيد ولا أمان لما خلفه بدار الحرب ، فيجوز اغتنام ماله وسبي أولاده هناك ، وعن صاحب " الحاوي " أنه إن قال : لك الأمان ، ثبت الأمان في ذريته وماله ، وإن قال : لك الأمان في نفسك ، لم يثبت في الذرية والمال ، وأطلق الجمهور قالوا : وقد يفترق المالك والمملوك في الأمان ، ولهذا لو دخل مسلم دار الحرب بأمان ، فبعث معه حربي مالا لشراء متاع ، كان ماله في أمان حتى يرده ، وإن لم يكن المالك في أمان ، وكذا لو بعثه مع ذمي دخل دار الحرب بأمان ، وفي قول : لا يكون مع الذمي في أمان ، لأن أمان الذمي باطل ، والمشهور الأول ، لأن الحربي اعتقد صحته ، فوجب رده إليه ، ولو دخل حربي دارنا بأمان أو ذمة أو لرسالة فنقض العهد ولحق بدار الحرب ، ومن أسباب النقض أن يعود ليتوطن هناك ، فلا يسبى أولاده عندنا ، وإن مات فأبلغوا ، فإذا بلغوا وقبلوا الجزية ، تركوا ، وإلا بلغوا المأمن ، وما خلفه عندنا من وديعة ودين من قرض أو غيره ، فهو في أمان لا يتعرض له ما دام حيا ، هذا هو [ ص: 290 ] الصحيح ، وفيه وجه أنه ينتقض الأمان في ماله لانتقاضه في نفسه ، لأنه يثبت في المال تبعا ، ووجه ثالث : أنه إذا لم يتعرض للأمان في ماله ، حصل الأمان فيه تبعا ، فينتقض فيه تبعا ، وإن ذكره في الأمان لم ينتقض ، قال الإمام : فإذا قلنا بالصحيح ، فللكافر أن يدخل دار الإسلام من غير تجديد أمان لتحصيل ذلك المال ، والدخول له يؤمنه ، كالدخول لرسالة وسماع كلام الله تعالى ، ولكن ينبغي أن يعجل في تحصيل غرضه ، ولا يعرج على غيره ، وكذا لا يكرر العود لأخذ قطعة من المال في كل مرة ، فإن خالف ، تعرض للقتل والأسر ، وهذا الذي ذكره الإمام محكي عن ابن الحداد ، وقال غيره : ليس له الدخول ، وثبوت الأمان في المال لا يوجب ثبوته في النفس ، وإن قلنا : لا يبقى الأمان في ماله كان فيئا ، قال الإمام : والخلاف في ماله المخلف بعد التحاقه بدار الحرب فأما إذا فارق المال ولم يلتحق بعد بدار الحرب ، فالوجه الجزم ببقاء الأمان ، ويحتمل طرد الخلاف ، وإذا نبذ المستأمن العهد ، وجب تبليغه المأمن ، ولا يتعرض لما معه بلا خلاف ، هذا حكم ما تركه في حياته ، فلو مات هناك أو قتل وقلنا بالصحيح ، وهو بقاء الأمان فيه في حياته ، فقولان ، أحدهما : يكون فيئا ، وأظهرهما : أنه لوارثه ، فإن لم يكن وارث ، فهو فيء قطعا ، ولو مات عندنا ، فقيل بطرد القولين ، والمذهب : القطع برده إلى وارثه ، لأنه مات والأمان باق في نفسه ، فكذا في ماله ، وهناك انتقض في نفسه ، فكذا في ماله ، فإن كان وارثه حربيا ، فعلى الخلاف في أن الذمي والحربي هل يتوارثان ؟ ولو خرج المستأمن إلى دار الحرب غير ناقض للعهد بل لرسالة أو تجارة ومات هناك ، فهو كموته في دار الإسلام ، ولو التحق بدار الحرب ناقضا للعهد ، فسبي واسترق ، بني على ما إذا مات ، فإن قلنا : إذا مات يكون لوارثه ، وقف ، فإن عتق ، فهو له ، وإن مات رقيقا فقولان ، أحدهما : يصرف إلى وارثه كما لو [ ص: 291 ] مات حرا ، وأظهرهما : يكون فيئا ، لأن الرقيق لا يورث ، وإن قلنا : إذا مات يكون فيئا ، فهنا قولان ، أحدهما : هذا ، والثاني وبه قطع ابن الصباغ : يوقف لاحتمال أن يعتق ويعود بخلاف الموت ، فإن عتق ، سلم إليه ، وإلا فهو فيء على الأصح ، وقيل : للسيد ، قال الإمام : وإذا صرفناه إلى الورثة ، احتمل أن يصرف إليهم إرثا ، ولا يلزم الكفار تفضيل شرعنا في منع التوريث من رقيق ، ويحتمل أن لا يصرف إليهم إرثا ، بل لأنهم أخص به ، وإذا قلنا بالتوريث ، فهل يرثون إذا مات أم يستند استحقاق الورثة إلى ما قبل جريان الرق ؟ فيه احتمالان للإمام ، وإذا قلنا : الصرف إلى الورثة ، فلهم دخول الإسلام لطلب ذلك المال بغير أمان ، ويجيء فيه الوجه السابق في صاحب المال .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        دخل مسلم دار الحرب بأمان ، فاقترض منهم شيئا ، أو سرق وعاد إلى دار الإسلام ، لزمه رده ، لأنه ليس له التعرض لهم إذا دخل بأمان .

                                                                                                                                                                        العاشرة : إذا حاصرنا قلعة أو بلدة ، فنزلوا على حكم الإمام ، جاز ، وكذا لو نزلوا على حكم غيره ، وشرطه كونه مسلما ذكرا حرا مكلفا عدلا ، لأنه ولاية حكم ، كالقضاء ، لكن يجوز أن يكون أعمى ، لأن المقصود هنا الرأي ، فهو كالشهادة بالاستفاضة تصح من الأعمى ، وأطلقوا أنه يشترط كونه عالما ، وربما قالوا : فقيها ، وربما قالوا : مجتهدا ، قال الإمام : ولا أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي ، ولعلهم أرادوا التهدي إلى طلب الصلاح وما فيه النظر للمسلمين ، ويكره أن يكون الحكم حسن الرأي في الكفار ، ويجوز أن ينزلوا على حكم اثنين ، أو على حكم من يختاره الإمام ، أو من يتفقون عليه مع الإمام ، ولا يجوز على حكم من يختارونه إلا إذا شرطوا الأوصاف [ ص: 292 ] المشروطة ، ولو استنزلهم على أن يحكم فيهم بكتاب الله تعالى ، كره ذلك ، لأن هذا الحكم ليس منصوصا في كتاب الله تعالى فيحصل منه اختلاف ، هكذا ذكره الروياني ، قال البغوي : ولو استنزلهم على أن ما يقضي الله تعالى فيهم ينفذه ، لم يجز ، لأنهم لا يعرفون الحكم فيهم وإذا نزلوا على حكم اثنين ، فليتفقا على الحكم ، فإن اختلفا ، لم ينفذ إلا أن تتفق الطائفتان على حكم ، ولو مات أحد الحكمين ، أو نزلوا على حكم واحد ، فمات قبل الحكم ، أو نزلوا على حكم من لا يجوز حكمه ، ردوا إلى القلعة إلى أن يرضوا بحكم حاكم في الحال ، ولا يجوز للحاكم أن يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء ، وحكى الروياني وجها ، أنه لا يجوز الحكم بالمن على جميعهم ، واستغربه ، ولو حكم بما يخالف الشرع ، كقتل النساء والصبيان ، لم ينفذ ، ولو حكم بقتل المقاتلة وسبي الذرية وأخذ الأموال ، جاز . وتكون الأموال غنيمة ، لأنها مأخوذة بالقهر ، وإن حكم باسترقاق من أسلم منهم ، وقتل من أقام منهم على الكفر ، أو باسترقاق من أسلم ، ومن أقام على الكفر ، جاز ، وينفذ حكم الحاكم على الإمام ، فلا يجوز أن يزيد على حكمه في التشديد ، ويجوز أن ينقص منه ويسامح ، فإذا حكم بغير القتل ، فليس له القتل ، وإن حكم بالقتل ، فله المن ، وليس له الاسترقاق على الأصح ، لأنه ذل مؤبد ، وإن حكم بالاسترقاق ، فليس له المن إلا برضى الغانمين ، لأنه صار مالا لهم ، وإن حكم بقبول الجزية ، فهل يجبرون عليه ؟ وجهان ، أصحهما : نعم ، لأنه حكمه وقد التزموه ، فإن قلنا : لا يجبرون ، بلغوا المأمن ، وإن قلنا : يجبرون ، فامتنعوا ، فهم كأهل الذمة إذا امتنعوا من بذل الجزية بعد قبولها ، وسيأتي الخلاف فيه إن شاء الله تعالى ، وطرد الوجهان فيما لو حكم [ ص: 293 ] بالمفاداة ، ومن أسلم منهم قبل الحكم ، حقن دمه وماله ، ولم يجز استرقاقه بخلاف الأسير فإنه في قبضة الإمام ، ومن أسلم بعد الحكم بالقتل ، امتنع قتله ، فإن كان قد حكم بقتل الرجال وسبي النساء والذرية ، لم يندفع بإسلام الرجال إلا قتلهم ، وهل يجوز استرقاق المحكوم بقتله إذا أسلم ؟ نقل الروياني وغيره أنه لا يجوز ، لأنهم لم ينزلوا على هذا الشرط فيطلقهم ، ولا يفاديهم بمال ، ويجيء على تجويز استرقاقه لو لم يسلم أنه يجوز استرقاقه بعد الإسلام أيضا ، ولو حكم بالإرقاق ، فأسلم المحكوم عليه قبل الإرقاق جاز إرقاقه ، على الأصح .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        حاصرنا قلعة ، فصالح زعيمها على أمان مائة شخص منهم ، صح للحاجة ، ويعين الزعيم مائة ، فإن عد مائة وأغفل نفسه ، جاز قتله .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية