الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        تؤخذ الجزية على سبيل الصغار والإهانة ، بأن يكون الذمي قائما ، والمسلم الذي يأخذها جالسا ، ويأمره بأن يخرج يده من جيبه ، ويحني ظهره ويطأطئ رأسه ، ويصب ما معه في كفة الميزان ، ويأخذ المستوفي بلحيته ويضرب في لهزمته : وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن [ من اللحي ] ، وهذا معنى الصغار عند بعضهم ، وهل هذه الهيئة واجبة أم مستحبة ؟ وجهان ، أصحهما : مستحبة ، ويبنى عليهما أنه هل يجوز أن يوكل الذمي مسلما بأداء الجزية ، وأن يضمنها مسلم عن ذمي ، وأن يحيل ذمي بها على مسلم ، فإن أوجبنا إقامة الصغار عند أداء الجزية ، لم يجز ، وإن قلنا : المقصود تحصيل ذلك المال ، ويحصل الصغار بالتزامه المال والأحكام كرها ، جاز ، والضمان أولى بالصحة ، لأنه لا يمنع مطالبة الذمي وإقامة الصغار عليه ، ولو وكل ذمي ذميا بالأداء ، قال الإمام : الوجه طرد الخلاف ، ولو وكل مسلما ءفي عقد الذمة له ، جاز ، لأن الصغار يرعى عند الأداء دون العقد .

                                                                                                                                                                        قلت : هذه الهيئة المذكورة أولا ، لا نعلم لها على هذا الوجه أصلا معتمدا ، وإنما ذكرها طائفة من أصحابنا الخراسانيين ، وقال جمهور [ ص: 316 ] الأصحاب : تؤخذ الجزية برفق ، كأخذ الديون ، فالصواب الجزم بأن هذه الهيئة باطلة مردودة على من اخترعها ، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الخلفاء الراشدين فعل شيئا منها مع أخذهم الجزية ، وقد قال الرافعي - رحمه الله - في أول كتاب الجزية : الأصح عند الأصحاب : تفسير الصغار بالتزام أحكام الإسلام وجريانها عليهم ، وقالوا : أشد الصغار على المرء أن يحكم عليه بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه طلب الجزية من نصارى العرب وهم : تنوخ وبهراء وبنو تغلب ، وهم قبائل من العرب تنصروا لا يعلم متى تنصروا ، وهم مقرون بالجزية ، فقالوا : نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ، فخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض ، يعنون الزكاة ، فقال عمر - رضي الله عنه - : هذا فرض المسلمين ، فقالوا : زد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية ، فراضاهم على أن تضعف عليهم الزكاة ، قال الأصحاب : ولم يخالف عمر أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فصار كالإجماع ، وعقد الذمة لهم مؤبدا ، فليس لأحد نقض ما فعله ، قالوا : وفيه إشكال من وجهين : أحدهما : أنه ربما كان فيهم من يقل ماله الزكوي ، فيكون المأخوذ منه أقل من دينار ، وربما قلت أموالهم الزكوية ، فينقص المأخوذ عن دينار لكل رأس ، الثاني : أنه وإن وفى المأخوذ بدينار لكل رأس ، فربما كان فيهم من لا يملك مالا زكويا فيكون قد قرر بلا جزية ، ولا يجوز ذلك ، وإن بذل غيره أكثر من دينار ، كما لو قال واحد : خذوا مني عشرة دنانير على أن لا جزية على تسعة معي ، ولم ينقل أنه - رضي الله عنه - سأل عن هذه الأمور ، وأجيب عن الأول بأن فعله - رضي الله عنه - محمول على أن المأخوذ لا ينقص عن [ ص: 317 ] دينار لكل رأس ، أو أنه شرط عليهم الإتمام إن نقص ، وقيل : احتمل ذلك ، لأنه إن نقص في وقت فربما زاد في وقت فتجبر الزيادة النقص ، وعن الثاني ، بأن المأخوذ من أصحاب الأموال الزكوية مأخوذ عنهم وعن الآخرين ، ولبعضهم أن يلتزم عن نفسه وعن غيره ، وغرضنا تحصيل دينار عن كل رأس ، هذا ما ذكره ابن أبي هريرة والأكثرون ، وقال أبو إسحاق : لا يجوز ، لأن فيه تقرير بعضهم بلا مال ، . وأجري الوجهان فيما لو التزم واحد عشر دنانير عنه وعن تسعة ، إذا تقرر هذا ، فلو طلب قوم من أهل الكتاب أن يؤدوا الجزية باسم الصدقة ، ولا يؤدوها باسم الجزية ، فللإمام إجابتهم إذا رأى ذلك ، ويسقط عنهم الإهانة واسم الجزية ، ويأخذ ضعف الصدقة ، وسواء في هذا العرب والعجم ، وقيل : يختص الجواز بالعرب لشرفهم ، والصحيح الأول ، ويشترط عليهم بمال الزكاة وقدرها ، ويكفي أن يقول الإمام : جعلت عليكم ضعف الصدقة ، أو صالحتكم على ضعف الصدقة ، والمأخوذ جزية تصرف مصرف الفيء ، ولا يؤخذ شيء من أموال الصبيان والمجانين والنسوة وينظر في الحاصل هل يفي بدينار عن كل رأس ؟ فإن لم يف ، زاد إلى ثلاثة أضعاف فأكثر ، وهل يدخل الفقير في التوزيع ؟ فيه الخلاف السابق في أنه تؤخذ منه جزية أم لا ، ولو كثروا وعسر عددهم لمعرفة الوفاء بالدينار ، فهل يجوز الأخذ بغلبة الظن ؟ وجهان ، أصحهما : لا ، بل يشترط تحقق أخذ دينار عن كل رأس ، ويجوز الاقتصار على قدر الصدقة وعلى نصفها إذا حصل الوفاء بالدينار ، واستحب جماعة زيادة شيء على قدر الصدقة لإسقاط اسم الجزية ، ولم يستبعد الإمام المنع لما فيه من تشبيههم بالمسلمين في المأخوذ ، وحط الصغار بلا غرض مالي ، وإذا [ ص: 318 ] شرط ضعف الصدقة ، وزاد على دينار ، ثم سألوا إسقاط الزيادة وإعادة اسم الجزية ، أجيبوا على الصحيح .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        يأخذ من خمس من الإبل شاتين ، ومن عشر أربعا ، ومن خمس وعشرين بنتي مخاض ، ومن أربعين شاة شاتين ، ومن ثلاثين بقرة تبيعتين ، ومن عشرين دينارا دينارا ، ومن مائتي درهم عشرة دراهم ، ومما سقت السماء الخمس ، ومما سقي بالنواضح العشر ، ومن الركاز خمسين ، وعلى هذا القياس ، ومن مائتي بعير ثمان حقاق أو عشر بنات لبون ، ولا يفرق فيؤخذ أربع حقاق وخمس بنات لبون ، كما لا يفرق في الصدقة ، ومن ستين بقرة أربعة أتبعة لا ثلاث مسنات ، ومن ست وأربعين بعيرا حقتين فإن لم يجدهما فبنتي لبون مع الجبران ، ومن ست وثلاثين بنتي لبون ، فإن لم يجد فبنتي مخاض مع الجبران ، وفي تضعيف الجبران وجهان ، أحدهما : تضعف ، فيؤخذ مع كل بنت مخاض شاتان ، أو عشرون درهما ، فإن لم نجد في مال صاحب الست والثلاثين بنت لبون وعنده حقاق ، أخذنا حقتين ورددنا جبرانين ولا يضعف الجبران هنا قطعا ، ويخرج الإمام الجبران من الفيء كما يصرفه إذا أخذه إلى الفيء ، وهل يؤخذ من بعض النصاب قسطه من واجب النصاب ، كشاة من عشرين ونصف شاة من عشر ؟ فيه قولان ، أظهرهما : لا ، والثاني : نعم ، رواه البويطي ، فعلى هذا يؤخذ من مائة شاة ونصف شاة ثلاث شياه ، ومن سبعة أبعرة ونصف ثلاث شياه ، ومن خمس وثلاثين بقرة تبيع ومسنة ، وأجرى الخلاف في الأوقاص ، هل يحط عنهم أم يجب قسط المأخوذ في حقهم ، وقيل : إن أدى الأخذ من الوقص إلى التشقيص مع التضعيف لم يؤخذ ، وإلا فيؤخذ .

                                                                                                                                                                        [ ص: 319 ] فرع

                                                                                                                                                                        إذا ضرب الجزية على ما يحصل من أرضهم من ثمر وزرع باسم الصدقة ، فباع أرضهم ، صح بيعه ، فإن بقي مع البائع ما بقي الحاصل منه بالمشروط عليه ، فذاك ، وإلا انقلبت الجزية إلى رقبة البائع ، وأما المشتري ، فإن كان مسلما ، فلا شيء عليه فيما اشتراه ، وإن كان ذميا ، فإن كانت الجزية على رقبته ، فكذلك ، وإن كانت على حاصل أرضه ، زاد الواجب بما اشتراه .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إذا استأذن حربي في دخول دار الإسلام ، أذن له الإمام إن كان يدخل لرسالة ، أو حمل ميرة ، أو متاع تشتد حاجة المسلمين إليه ، قال الإمام : ولا يجوز توظيف مال على رسول ، ولا على مستجير لسماع كلام الله تعالى ، لأن لهما الدخول بلا إذن ، وإن كان يدخل لتجارة لا تشتد الحاجة إليها ، جاز للإمام أن يأذن له ويشرط عليه عشر ما معه من مال التجارة ، ولو دخل غير تاجر بأمان مسلم ، لم يطالب بشيء ، وقيل : إن دخل الحجاز ، وجب دينار ، لعظم حرمته ، ولو رأى الإمام أن يزيد المشروط على العشر ، جاز على الأصح ، ويجتهد فيه كما في زيادة الجزية على دينار ، ولو رأى أن يحط الضريبة عن العشر ، ويردها إلى نصف العشر فما دونه ، فله ذلك ، وله أن يشرط في نوع من تجارتهم نصف العشر ، وفي غيره العشر ، ولو رأى أن يأذن لهم بغير شيء ، جاز على الأصح ، وبه قطع الجمهور ، لأن الحاجة تدعو إليه لاتساع المكاسب وغيره ، ثم إن كان المشروط أن يأخذ من تجارة الكافر ، أخذ ، سواء باع أم لا ، وإن كان المشروط أن يأخذ من ثمن تجارته ، لم يأخذ حتى [ ص: 320 ] يبيع ، وأما الذمي ، فله أن يتجر فيما سوى الحجاز من بلاد الإسلام ، ولا يؤخذ من تجارته شيء ، قال في " البيان " : إلا أن يشترط عليه مع الجزية شيء من تجارته ، فلو أراد أن يدخل الحجاز ، ويتجر فيه ، فقد ذكر الغزالي في " الوجيز " خلافا في أنه هل يؤخذ منه شيء ؟ ولا وجود لهذا الخلاف في شيء من كتب الأصحاب ، ولم يذكره الإمام والغزالي في " الوسيط " بل الذي نقله الأصحاب أن الذمي في الحجاز كالحربي في سائر بلاد الإسلام ، وما يؤخذ من الذمي لا يؤخذ في كل سنة إلا مرة ، كالجزية ، وكذا الحربي إذا أخذت منه الضريبة مرة لا تؤخذ ثانيا حتى يمضي إذا كان يطوف في بلاد الإسلام بأجر أو يكتب له وللذمي براءة حتى لا يطالب في بلد آخر قبل الحول ، فإن رجع إلى دار الحرب ، ثم عاد في الحول ، فهل تؤخذ كل مرة أم لا تؤخذ إلا مرة ؟ وجهان ، أصحهما : الثاني وهو ظاهر نصه ، والإمام بالخيار فيما يضربه بين استيفائه دفعة أو دفعات ، ثم ما ذكرنا من أخذ المال من تجارة الحربي أو الذمي هو فيما إذا شرط الإمام عليه ، فأما إذا أذن لحربي في دار الإسلام ، أو لذمي في دخول الحجاز بلا شرط ، فوجهان ، أحدهما : تؤخذ ، حملا للمطلق على المعهود ، وأصحهما : المنع ، لأنهم لم يلتزموا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        المرأة التابعة للزوج أو القريب في عقد الذمة إذا ترددت متجرة في الحجاز ، أو في غير الحجاز ، حكمها حكم الذمي .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إذا صالحنا طائفة من الكفار على أن تكون أرضهم لهم ، ويؤدوا خراجا عن كل جريب في كل سنة كذا ، جاز ويستمر ملكهم ويكون المأخوذ جزية تصرف مصرف الفيء ، والتوكيل بإعطائه كالتوكيل بإعطاء [ ص: 321 ] الجزية ، ويشترط أن يبلغ قدرا يخص كل واحد من أهل الجزية منه دينارا إذا وزع على رؤوسهم ، ويلزمهم ذلك زرعوا أم لا ، ولا يؤخذ من أرض صبي ولا مجنون ولا امرأة ، ولهم بيع تلك الأرض وهبتها وإجارتها ، وإذا أجر بعضهم بعضها لمسلم بقي الخراج على المكري ، ويلزم المستأجر الأجرة ، وإن باع لمسلم ، انتقل الواجب إلى رقبة البائع ولا خراج على المشتري ، ولو أسلموا بعد الصلح ، سقط الخراج ، ويلزمهم أن يؤدوا عن الموات الذي يمنعوننا منه دون ما لا يمنعون منه ، ولو أحيوا منه شيئا بعد الصلح ، لم يلزمهم شيء لما أحيوا إلا إذا شرط عليهم أن يؤدوا عما يحيون ، ولو صالحناهم على أن الأرض لنا ويسكنونها ويؤدون عن كل جريب ، فهو عقد إجارة ، والمأخوذ أجرة ، فتجب معها الجزية ولا يشترط أن تبلغ دينارا عن كل رأس ، وتؤخذ من أرض النساء والصبيان والمجانين ، ويجوز توكيل المسلم في أدائها ، وليس لهم بيع تلك الأرض ولا هبتها ، ولهم إجارتها .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية