الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( المسألة الثالثة ) : روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد ، وقال : إني أجد في كلام العرب حشوا ، أجد العرب تقول : عبد الله قائم ، ثم تقول : إن عبد الله قائم ، ثم تقول : إن عبد الله لقائم ، فقال المبرد : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ ، فقولهم : عبد الله قائم إخبار عن قيامه ، وقولهم : إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل ، وقولهم : إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر لقيامه ، واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جوابا لسؤال السائل بأن قال : إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كان جوابا للقسم نحو : والله إن زيدا منطلق ، ويدل عليه من التنزيل قوله : ( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض ) [الكهف : 83] وقوله في أول السورة : ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم ) [الكهف : 13] وقوله : ( فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ) [الشعراء : 216] وقوله : ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) [الأنعام : 56] وقوله : ( وقل إني أنا النذير المبين ) [الحج : 89] [ ص: 35 ] وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ونظروا فيه ، وعليه قوله : ( فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ) [الشعراء : 16] وقوله : ( وقال موسى يافرعون إني رسول من رب العالمين ) [الأعراف : 104] وفي قصة السحرة ( إنا إلى ربنا منقلبون ) [الأعراف : 125] إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله : ( قال آمنتم له قبل أن آذن ) [طه : 71] وقال عبد القاهر : والتحقيق أنها للتأكيد ، وإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى " إن " ، وإنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف ، ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله ، كقول أبي نواس :


                                                                                                                                                                                                                                            فعليك باليأس من الناس إن غنى نفسك في الياس



                                                                                                                                                                                                                                            وإنما حسن موقعها ؛ لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس . وأما جعلها مع اللام جوابا للمنكر في قولك : " إن زيدا لقائم " فجيد ؛ لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد ، وكما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضا أن يكون من الحاضرين . واعلم أنها قد تجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك : إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء ، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت ، وتبين الخطأ في الذي توهمت ، وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم : ( قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ) [آل عمران : 36] وكذلك قول نوح عليه السلام : ( قال رب إن قومي كذبون ) [الشعراء : 117] .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية