الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              ( ويسن في ) التشهد ( الأول الافتراش فيجلس على كعب يسراه ) بعد أن يضجعها بحيث يلي ظهرها الأرض ( وينصب يمناه ) أي قدمه اليمنى ( ويضع أطراف ) بطون ( أصابعه ) منها على الأرض متوجهة للقبلة ( وفي ) التشهد ( الآخر ) بالمعنى الآتي ( التورك وهو كالافتراش ) في كيفيته المذكورة ( لكن يخرج يسراه من جهة يمينه ويلصق وركه بالأرض ) للاتباع رواه البخاري وخولف بينهما ليتذكر به أي ركعة هو فيها وليعلم المسبوق أي تشهد هو فيه ولما كان الأول هو هيئة المستوفز سن فيما عدا الأخير لأنه يعقبه حركة وهي عنه أسهل والثاني هيئة المستقر سن في الأخير إذ لا يعقبه شيء ( والأصح ) أنه ( يفترش المسبوق ) في تشهد إمامه الأخير ( والساهي ) في تشهده الأخير قبل سجود السهو لأنه ليس آخر صلاتهما ومحله إن نوى الساهي السجود أو أطلق على الأوجه والأسن له التورك ( ويضع فيهما ) أي التشهدين ( يسراه على طرف ركبته ) اليسرى بحيث تسامت رءوسها أول الركبة ( منشورة الأصابع ) للاتباع رواه مسلم ( بلا ضم ) بل يفرجها تفريجا وسطا ( قلت ) الأصح الضم والله أعلم [ ص: 80 ] لأن تفريجها يزيل بعضها كالإبهام عن القبلة ( ويقبض من يمناه ) بعد وضعها على فخذه الأيمن عند الركبة ( الخنصر والبنصر ) بكسر أولهما وثالثهما ( وكذا الوسطى في الأظهر ) للاتباع رواه مسلم ، وقيل يحلق بين الوسطى والإبهام بالتحليق بين رأسيهما ، وقيل بوضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام والخلاف في الأفضل وقدم الأول لأنه أصح ورواته أفقه ( ويرسل المسبحة ) في كل التشهد للاتباع وهي بكسر الباء التي تلي الإبهام سميت بذلك لأنها يشار بها للتوحيد وتسمى أيضا السبابة لأنها يشار بها عند المخاصمة والسب ( ويرفعها ) مع إمالتها قليلا لئلا تخرج عن سمت القبلة ( عند ) همزة ( قوله إلا الله ) للاتباع ولا يضعها إلى آخر التشهد قاصدا بذلك الإشارة لكون المعبود واحدا في ذاته وصفاته وأفعاله ليجمع في توحيده بين اعتقاده وقوله وفعله وخصت بذلك لاتصالها بنياط القلب فكأنها سبب لحضوره وتكره الإشارة بسبابة اليسار .

                                                                                                                              وتكره الإشارة بسبابة اليسار وإن قطعت يمناه لفوات سنة وضعها السابق ومنه يؤخذ أنه لا يسن رفع غير السبابة لو فقدت لفوات سنة قبضها السابق ويظهر فيما لو وضع اليمنى على غير الركبة أن يشير بسبابتها حينئذ لما هو واضح أن كلا من الوضع على الفخذ والرفع وغيرهما مما ذكر سنة مستقلة ( ولا يحركها ) عند رفعها للاتباع وصح تحريكها فيحمل للجمع بينهما على أن المراد به الرفع لا سيما وفي التحريك قول بأنه حرام مبطل للصلاة فمن ثم قلنا بكراهته ( والأظهر ضم الإبهام إليها ) أي المسبحة ( كعاقد ثلاثة وخمسين ) عند متقدمي الحساب بأن يجعل رأس الإبهام عند أسفلها على طرف راحتها للاتباع رواه مسلم ، وقيل بأن يجعلها مقبوضة تحت المسبحة ، وقيل يرسل الإبهام أيضا مع طول المسبحة ، وقيل يضعها على أصبعه الوسطى كعاقد ثلاثة وعشرين والخلاف في الأفضل ورجحت الأولى لنظير ما مر ( والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) مع قعودها ( فرض في التشهد ) [ ص: 81 ] يعني بعده فلا يجزئ قبله خلافا لجمع ( الأخير ) يعني الواقع آخر الصلاة وإن لم يسبقه تشهد آخر كتشهد صبح وجمعة ومقصورة وذلك للأخبار الصحيحة الدالة على ذلك بل بعضها مصرح به كما بسطته في عدة كتب لا سيما شرح العباب والدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود مع الرد الواضح على من زعم شذوذ الشافعي بإيجابها ( والأظهر سنها في الأول ) لأنها ركن في الأخير فسنت كالتشهد .

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              حاشية ابن قاسم

                                                                                                                              ( قوله [ ص: 79 ] الافتراش ) قال في الكنز والجلوس بين السجدتين وللاستراحة كجلوس التشهد الأول كما مر لأنه يعقبه حركة ( قوله الآتي ) أي في شرح قوله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ( قوله يفترش المسبوق ) هل يشمل الخليفة وإن طلب منه الجري على نظم الإمام فيستثنى هذا لاحتياجه إلى الحركة بعده فيه نظر ولا يبعد أنه كذلك م ر ( قوله وإلا ) أي بأن نوى تركه فظاهر أنه بعد نية تركه توركه لو نوى الإتيان به افترش ( قوله وإلا سن له التورك ) فلو قصد بعد إرادة تركه وتوركه الإتيان به افترش فلو توقف افتراشه على انحناء بقدر ركوع القاعد فهل تبطل به صلاته بزيادة ركوع أو لا لتولده من مأمور به فيه نظر وسيأتي في كلام الشارح الأول والأوجه وفاقا للرملي الثاني ويؤيده أن انحناء القائم إلى حد الركوع لنحو قتل حية لا يضره ( قوله ويضع فيهما يسراه إلى قوله والأظهر ضم الإبهام إليها كعاقد ثلاثة وخمسين ) هل يطلب ما يمكن من هذه الأمور في حق من صلى مضطجعا أو مستلقيا أو أجرى الأركان على قلبه فيه نظر ، والمتجه طلب ذلك والمتجه أيضا وضع يمينه على يساره تحت صدره حال قراءته في حالتي الاضطجاع والاستلقاء أيضا ( قوله [ ص: 80 ] للتوحيد ) أي والتوحيد تسبيح لأنه تنزيه لله عن الشريك والتسبيح التنزيه ( قوله لفوات سنة وضعها السابق ) قد يؤخذ منه أنه لو قطعت مسبحته لا يشير بغيرها من بقية أصابع اليمنى لفوات سنة وضع البقية المعروفة ( قوله ولا يحركها ) والكلام كما هو ظاهر ما لم تحرك الكف وإلا بطلت صلاته بثلاث حركات [ ص: 81 ] متوالية عامدا عالما وإن قطعت أصابعه مع الكف بطلت بتحريك الزند كذلك ( قوله يعني بعده ) هل يشترط الموالاة بينهما فيه نظر ولا يبعد عدم الاشتراط لأن الصلاة ركن مستقل ولا تجب موالاة الأركان حيث لا معذور يلزم من تركه الموالاة كتطويل ركن قصير



                                                                                                                              حاشية الشرواني

                                                                                                                              ( قوله في التشهد ) أي في جلوسه قول المتن ( الافتراش إلخ ) سمي بذلك لأنه يفترش فيه رجله شيخنا قول المتن ( فيجلس إلخ ) الفاء تفسيرية قول المتن ( وفي الآخر ) أي وما معه مغني ونهاية ( قوله بالمعنى الآتي ) أي في شرح التشهد الأخير قول المتن ( التورك ) سمي بذلك لأنه يلصق فيه وركه بالأرض شيخنا ( قوله بينهما ) أي الأول والآخر نهاية ( قوله وليعلم المسبوق إلخ ) عبارة النهاية ولأن المسبوق إذا رآه علم في أي التشهدين هو ا هـ . وظاهره أن الضميرين البارزين للإمام وعبارة شيخنا ليعلم المسبوق حال الإمام ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله أي تشهد إلخ ) أي هل التشهد الأخير أو غيره وأما إفراد الغير فلا تتميز لأن هيئاتها واحدة فلو قال وليتذكر به المسبوق أنه مسبوق أي عند سلام إمامه لكان حسنا بصري ( قوله ولما كان إلخ ) هذا بيان لحكمة تخصيص الأول بالافتراش والأخير بالتورك ( قوله هيئة المستوفز ) أي المتهيئ للحركة كردي قول المتن ( يفترش المسبوق ) يستثنى من المسبوق ما لو كان خليفة فإنه يتورك محاكاة لصلاة إمامه شيخنا ، وكذا في سم عن م ر وذكر ع ش عن العباب ما يوافقه وعن الشارح قبيل باب شروط الصلاة ما يخالفه ثم قال وهذا أي عدم الاستثناء ظاهر المتن ( قوله وإلا ) أي بأن نوى تركه ( سن له التورك ) فإن عن له السجود بعد ذلك افترش وعكسه بعكسه على الأوجه المعتمد شيخنا وفي سم بعد ذكر ما يوافقه فلو توقف افتراشه على انحناء بقدر ركوع القاعد فهل تبطل به صلاته لزيادة ركوع أو لا لتولده من مأمور به فيه نظر وسيأتي في كلام الشارح الأول والأوجه وفاقا لمر الثاني ويؤيده أن انحناء القائم إلى حد الركوع لنحو قتل حية لا يضر ا هـ وجزم ع ش بالثاني قول المتن ( ويضع فيهما يسراه ) إلى قوله والأظهر ضم الإبهام إلخ هل يطلب ما يمكن من هذه الأمور في حق من صلى مضطجعا أو مستلقيا أو أجرى الأركان على قلبه فيه نظر والمتجه طلب ذلك والمتجه أيضا وضع يمينه على يساره تحت صدره حال قراءته في حالتي الاضطجاع والاستلقاء أيضا سم على حج ا هـ ع ش عبارة المغني ، وكذا يسن لمن لا يحسن التشهد وجلس له فإنه يسن في حقه ذلك أي وضع اليدين على الكيفية المذكورة ، وكذا لو صلى من الاضطجاع أو الاستلقاء عند جواز ذلك ولم أر من تعرض لهذا ا هـ . وكذا في النهاية إلا أنه قال بدل ولم أر إلخ فيما يظهر ( قوله بحيث تسامت إلخ ) ولا يضر في أصل السنة فيما يظهر انعطاف رءوس الأصابع عن الركبتين والحكمة في ذلك الوضع منع يديه عن العبث مع كون [ ص: 80 ] هذه الهيئة أقرب إلى التواضع نهاية ( قوله لأن تفريجها يزيل إلخ ) هذا جري على الغالب حتى لو صلى داخل البيت ضم جميعها مع توجه الكل للقبلة لو فرجها نهاية ومغني ( قوله بعد وضعها إلخ ) أي منشورة الأصابع ع ش ( قوله الأيمن ) نعت فخذه ( قوله للتوحيد ) لا يظهر من مجرده وجه المناسبة فينبغي أن يزاد عليه اللازم له التنزيه إذ المراد التوحيد الكامل الشامل لتوحيد الذات والصفات والأفعال ا هـ بصري عبارة سم قوله للتوحيد أي والتوحيد تسبيح لأنه تنزيه لله تعالى عن الشريك والتسبيح التنزيه ا هـ . وعبارة النهاية والمغني إلى التوحيد والتنزيه ا هـ . قال ع ش قضيته أنه يطلب لإشارة بها عند التسبيح وعند التوحيد المأتي به في غير التشهد فليراجع ا هـ قول المتن ( ويرفعها ) ولو كان له سبابتان أصليتان كفى رفع إحداهما شيخنا وقال ع ش سئل المؤلف م ر عمن له سبابتان اشتبهت الزائدة منهما بالأصلية فأجاب القياس الإشارة بهما كذا بهامش وهو قريب أقول وينبغي أن مثل ذلك ما لو كانتا أصليتين فيشير بهما ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله مع إمالتها ) أي إرخاء رأسها إلى جهة الكعبة كردي و ع ش قول المتن ( عند قوله إلا الله ) وظاهر كلامهم أن انتهاء الرفع لا يتقيد بحرف دون حرف نعم قد يؤخذ من عبارة المتن أن انتهاءه مع الهاء وفيه معنى دقيق يذوقه من ثمل من رحيق التحقيق بصري ( قوله إلى آخر التشهد ) عبارته في شرح بافضل إلى السلام ا هـ وعبارة شيخنا والنهاية إلى القيام في التشهد الأول وإلى السلام في التشهد الثاني ا هـ وقال ع ش هل المراد بالسلام تمام التسليمتين أو تمام التسليمة الأولى لأنه يخرج بها من الصلاة فيه نظر والأقرب الأول لأن الثانية من توابع الصلاة لكن ظاهر عبارة حج أنه يضعها حيث تم التشهد قبل شروعه في التسليمة الأولى ويمكن رد ما قاله الشارح م ر إلى ما قاله حج بجعل الغاية في كلام الشارح م ر خارجة عن المغيا كما هو الراجح ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله ليجمع إلخ ) علة لقوله قاصدا بذلك إلخ ( قوله وخصت بذلك ) أي المسبحة بالرفع ( قوله لاتصالها إلخ ) نوزع فيه بأن أصحاب التشريح لم يذكروه كردي ( قوله بنياط القلب ) أي عرقه وفي المصباح والنياط بالكسر عرق متصل بالقلب انتهى ع ش ( قوله فكأنها ) أي رفع المسبحة على حذف المضاف ويحتمل أن الضمير للإشارة بالمسبحة ( قوله على أن المراد به إلخ ) على أنه يمكن أنه لبيان الجواز نهاية وشيخنا ( قوله مبطل للصلاة ) أي إن حركها ثلاثا متوالية وظاهر أن محل الخلاف ما لم يحرك الكف كذلك وإلا بطلت الصلاة جزما شيخنا عبارة سم والكلام كما هو ظاهر ما لم يحرك الكف وإلا بطلت صلاته بثلاث حركات متوالية عامدا وإن قطعت أصابعه مع الكف بطلت بتحريك الزند كذلك ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله عند متقدمي الحساب ) وأكثرهم يسمون هذه الكيفية تسعة وخمسين وآثر الفقهاء الأول تبعا للفظ الخبر نهاية وشرح بافضل ( قوله بأن يجعل رأس الإبهام إلخ ) عبارة شيخنا والأفضل قبض الإبهام بجنبها أي المسبحة بأن يجعلها تحتها على طرف راحته ا هـ .

                                                                                                                              ( قوله على طرف راحتها ) عبارة غيره راحته بالتذكير ( قوله وقيل إلخ ) لا يتضح الفرق بينها وبين الأولى لا سيما على ما مر عن شيخنا ( قوله وأن يجعلها ) أي الإبهام

                                                                                                                              ( فائدة ) الإبهام من الأصابع مؤنث ولم يحك الجوهري غيره وحكي في شرح الجمل التذكير والتأنيث وجمعها أباهم على وزن أكابر وقال الجوهري أباهيم بزيادة ياء وقيل كانت سبابة قدم النبي صلى الله عليه وسلم أطول من الوسطى والوسطى أطول من البنصر والبنصر أطول من الخنصر وعبارة الدميري توهم أن [ ص: 81 ] ذلك في يده مغني ( قوله يعني بعده ) هل يشترط الموالاة بينهما فيه نظر ولا يبعد عدم الاشتراط لأن الصلاة ركن مستقل ولا تجب موالاة الأركان حيث لا محذور يلزم من ترك الموالاة كتطويل ركن قصير سم ( قوله كما بسطته إلخ ) وفي النهاية والمغني هنا نوع بسط في ذلك أيضا ( قوله على من زعم شذوذ الشافعي إلخ ) بل وافقه على قوله بذاك عدة من أكابر الصحابة فمن بعدهم كعمر وابنه عبد الله وابن مسعود وأبي مسعود البدري وجابر بن عبد الله من الصحابة وكمحمد بن كعب القرظي والشعبي ومقاتل من التابعين وهو قول أحمد الأخير وإسحاق وقول لمالك واعتمده ابن المواز من أصحابه وصححه ابن الحاجب في مختصره وابن العربي في سراج المريدين فهؤلاء كلهم يوجبونها في التشهد حتى قال بعض المحققين لو سلم تفرده بذلك لكان حبذا التفرد نهاية وقال الزيادي بل لم يحفظ عن أحد من الصحابة والتابعين غير النخعي تصريح بعدم وجوبها ع ش ( قوله بإيجابها ) أي إيجاب الصلاة في التشهد ( قوله لأنها ركن ) إلى قوله وآله في المغني .




                                                                                                                              الخدمات العلمية