الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 205 ] فصل واعلم أن قوله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله ليس فيه أمر بالتوجه إلى بيت المقدس ولا إلى غيره ، بل هو دال على أن الجهات كلها سواء في جواز التوجه إليها .

فأما التوجه إلى بيت المقدس فاختلف العلماء ، هل كان برأي النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده ، أو كان عن وحي ؟ ، فروي عن ابن عباس ، وابن جريج أنه كان عن أمر الله تعالى لقوله عز وجل: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول .

وأخبرنا المبارك بن علي ، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش ، قال: أبنا إبراهيم ابن عمر البرمكي ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن العباس ، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود ، قال: أبنا محمد بن الحسين ، قال: أبنا كثير بن يحيى ، قال: أبنا أبي ، قال: أبنا أبو بكر الهدبي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: " قالت اليهود: إن محمدا مخالف لنا في كل شيء فلو تابعنا على قبلتنا ، أو على شيء تابعناه ، فظن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا منهم جد ، وعلم الله منهم الكذب ، وأنهم لا يفعلون ، فأراد الله أن يبين ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 206 ] فقال: إذا قدمت المدينة فصل قبل بيت المقدس ، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت اليهود: قد تابعنا على قبلتنا ويوشك أن يتابعنا على ديننا ، فأنزل الله عز وجل: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ، فقد علمنا أنهم لا يفعلون ، ولكن أردنا أن نبين ذلك لك " .

وقال الحسن ، وعكرمة ، وأبو العالية ، والربيع ، بل كان برأيه واجتهاده ، وقال قتادة: " كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاءوا ، بقوله تعالى: ولله المشرق والمغرب ثم أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم باستقبال بيت المقدس ، وقال ابن زيد : كانوا ينحون أن يصلوا إلى أي قبلة شاءوا ، لأن المشارق والمغارب لله ، وأنزل الله تعالى: فأينما تولوا فثم وجه الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء يهود قد استقبلوا بيتا من بيوت الله ، يعني بيت المقدس ، فصلوا إليه .

فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضعة عشر شهرا ، فقالت اليهود: ما اهتدى لقبلته حتى هديناه ، فكره النبي صلى الله عليه وسلم قولهم ورفع طرفه إلى السماء ، فأنزل الله تعالى: قد نرى تقلب وجهك في السماء "
[ ص: 207 ] أخبرنا المبارك بن علي ، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش ، قال: أبنا أبو إسحاق البرمكي ، قال: أبنا محمد بن إسماعيل الوراق ، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود ، قال: بنا محمد بن أيوب ، قال: بنا أحمد بن عبد الرحمن ، قال: أبنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال: حدثني أبو العالية " أن نبي الله ، خير بين أن يوجه حيث يشاء ، فاختار بيت المقدس ، لكي يتألف أهل الكتاب ، ثم وجهه الله إلى البيت الحرام ، واختلف العلماء في سبب اختياره بيت المقدس على قولين: أحدهما: أن العرب لما كانت تحج ولم تألف بيت المقدس ، أحب الله امتحانهم بغير ما ألفوه ، ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه ، كما قال تعالى: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وهذا قول الزجاج .

والثاني: أنه اختاره ليتألف أهل الكتاب ، قاله: أبو جعفر بن جرير الطبري ، [ ص: 208 ] قلت: فإذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختار بيت المقدس ، فقد وجب استقباله بالسنة ، ثم نسخ ذلك بالقرآن .

والتحقيق في هذه الآية أنها أخبرت أن الإنسان أين تولى بوجهه فثم وجه الله ، فيحتاج مدعي نسخها ، أن يقول: فيها إضمار ، تقديره: فولوا وجوهكم في الصلاة أين شئتم ، ثم نسخ ذلك المقدر .

وفي هذا بعد ، والصحيح إحكامها .

[ ص: 209 ] [ ص: 210 ] ذكر الآية الثامنة: قوله تعالى: ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى نوع مساهلة للكفار ، ثم نسخ بآية السيف ، ولا أرى هذا القول صحيحا ، لأربعة أوجه: أحدها: أن معنى الآية: أتخاصموننا في دين الله ، وكانوا يقولون: نحن أولى بالله منكم ، لأننا أبناء الله وأحباؤه ، ومنا كانت الأنبياء وهو ربنا وربكم أي: نحن كلنا في حكم العبودية سواء ، فكيف يكونون أحق به ؟ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي لا اختصاص لأحد به إلا من جهة الطاعة والعمل ، وإنما يجازى كل منا بعمله ، ولا تنفع الدعاوى وعلى هذا البيان لا وجه للنسخ .

والثاني: أنه خبر خارج مخرج الوعيد والتهديد .

والثالث: أنا قد علمنا أعمال أهل الكتاب وعليها أقررناهم .

والرابع: أن المنسوخ ما لا يبقى له حكم ، وحكم هذا الكلام لا يتغير ، فإن كل عامل له جزاء عمله ، فلو ورد الأمر بقتالهم لم يبطل تعلق أعمالهم بهم .

[ ص: 211 ] ذكر الآية التاسعة: قوله تعالى: إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية: قد ذكر عن بعض المفسرين ، أنه قال: معنى الآية فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، قال: ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه والسعي بينهما من ملة إبراهيم .

قلت: وهذا قول مرذول: لا يصلح الالتفات إليه ، لأنه يوجب إضمارا في الآية ، ولا يحتاج إليه وإن كان قد قرئ به ، فإنه مروي عن ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، وأنس ، وابن جبير ، وابن سيرين ، وميمون بن مهران ، أنهم قرءوا: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " ، ولهذه القراءة وجهان: [ ص: 212 ] أحدهما: أن تكون دالة على أن السعي بينهما لا يجب .

والثاني: أن يكون " لا " صلة ، كقوله: ما منعك أن لا تسجد ، فيكون معناه معنى القراءة المشهورة ، وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن السعي من أركان الحج ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو واجب يجزي عنه الدم .

والصحيح في سبب نزول هذه الآية: ما أخبرنا به أبو بكر بن حبيب ، قال: أبنا علي بن الفضل ، قال: أبنا محمد بن عبد الصمد ، قال: أبنا ابن حموية ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم، قال: أبنا عبد الحميد ، قال: أبنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن داود ، عن عامر ، قال: كان على الصفا وثن يدعى أساف ، ووثن على المروة يدعى نائلة ، وكان أهل [ ص: 213 ] الجاهلية يسعون بينهما ويمسحون الوثنين ، فلما جاء الإسلام أمسك المسلمون عن السعي بينهما فنزلت هذه الآية .

قلت: فقد بان بهذا أن المسلمين إنما امتنعوا عن الطواف لأجل الصنمين ، فرفع الله عز وجل الجناح عمن طاف بينهما ، لأنه إنما يقصد تعظيم الله تعالى بطوافه دون الأصنام .

[ ص: 214 ] ذكر الآية العاشرة: قوله تعالى: إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله: اللاعنون قد زعم قوم من القراء الذين قل حظهم من علم العربية والفقه أن هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها ، ولو كان لهم نصيب من ذلك ، لعلموا أن الاستثناء ليس بنسخ ، وإنما هو إخراج بعض ما شمله اللفظ ، وينكشف هذا من وجهين: أحدهما: أن الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك العمل بالآخر ، وهاهنا يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه .

والثاني: أن الجمل إذا دخلها الاستثناء يثبت أن المستثنى لم يكن مرادا دخوله في الجملة الباقية، وما لا يكون مرادا باللفظ الأول لا يدخل عليه النسخ .

[ ص: 215 ] ذكر الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير الآية ، ذهب جماعة من مفسري القرآن إلى أن أول هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد ، وزعم بعضهم أنه إنما نسخ منها حكم الميتة والدم ، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أحلت لنا ميتتان ودمان ، السمك والجراد ، والكبد والطحال " وكلا القولين باطل ، لأن الله تعالى استثنى من التحريم حال الضرورة والنبي صلى الله عليه وسلم استثنى بالتخصيص ما ذكره في الحديث ولا وجه للنسخ بحال .

[ ص: 216 ] ذكر الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ذهب بعض المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ ، لأنه لما قال: الحر بالحر اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر ، وكذا لما قال: والأنثى بالأنثى اقتضى ، أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب ، وذلك منسوخ بقوله تعالى: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وإلى هذا أشار ابن عباس فيما رواه عثمان بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال: نسختها الآية التي في المائدة أن النفس بالنفس وإلى نحو هذا ذهب سعيد بن جبير ومقاتل .

" أخبرنا المبارك بن علي ، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش ، قال: أبنا أبو إسحاق البرمكي ، قال: أبنا أبو بكر محمد بن إسماعيل إذنا قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود ، قال: أبنا يعقوب بن سفيان ، قال: أبنا يحيى بن [ ص: 217 ] عبد الله بن بكير ، قال: حدثني عبد الله بن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير " أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل ، فكان بينهم قتل وجراحات ، حتى قتلوا العبيد والنساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا ، وكان أحد الحيين يتطاولون على الآخر في العدة والأموال ، فحلفوا أن لا نرضى حتى نقتل بالعبد منا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، فنزل فيهم: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فرضوا بذلك فصارت آية الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى منسوخة نسخها النفس بالنفس " قلت: وهذا القول ليس بشيء لوجهين: أحدهما: أنه إنما ذكر في آية المائدة ما كتبه على أهل التوراة ، وذلك لا يلزمنا ، وإنما نقول في إحدى الروايتين عن أحمد : إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه ، وخطابنا بعد خطابهم قد ثبت النسخ ، فتلك الآية أولى أن تكون منسوخة بهذه من هذه بتلك .

والثاني: أن دليل الخطاب عند الفقهاء حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه ، وقد ثبت بلفظ الآية أن الحر يوازي الحر ، فلأن يوازي العبد [ ص: 218 ] أولى ، ثم إن أول الآية يعم ، وهو قوله: كتب عليكم القصاص وإنما الآية نزلت فيمن كان يقتل حرا بعبد ، وذكرا بأنثى ، فأمروا بالنظر في التكافؤ .

" أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن حبيب ، قال: أبنا علي بن الفضل ، قال: أبنا محمد بن عبد الصمد ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد السرخسي ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم ، قال: أبنا عبد الحميد ، قال: أبنا يونس ، عن شيبان ، عن قتادة " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، قال: كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان ، فكان الحي منهم إذا كان فيهم عدد وعدة ، فقتل لهم عبد قتله عبد قوم آخرين ، قالوا: لن نقتل به إلا حرا تعززا وتفضلا على غيرهم في أنفسهم ، وإذا قتلت لهم أنثى قتلتها امرأة ، قالوا: لن نقتل بها إلا رجلا ، فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، وينهاهم عن البغي ، ثم أنزل في سورة المائدة: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، إلى قوله: والجروح قصاص " [ ص: 219 ] ذكر الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين اختلف المفسرون في هذه الوصية ، هل كانت واجبة أم لا على قولين: أحدهما: أنها كانت ندبا لا واجبة ، وهذا مذهب جماعة منهم الشعبي ، والنخعي واستدلوا بقوله بالمعروف ، قالوا: المعروف لا يقتضي الإيجاب وبقوله: على المتقين والواجب لا يختص به المتقون .

[ ص: 220 ] والثاني: أنها كانت فرضا ثم نسخت ، وهو قول جمهور المفسرين ، واستدلوا بقوله: كتب ، وهو بمعنى فرض، كقوله تعالى: كتب عليكم الصيام وقد نص أحمد في رواية الفضل بن زياد ، على نسخ هذه الآية ، فقال: الوصية للوالدين منسوخة ، وأجاب أرباب هذا القول أهل القول الأول ، فقالوا: ذكر المعروف لا يمنع الوجوب ، لأن المعروف بمعنى العدل الذي لا شطط فيه ولا تقصير ، كقوله تعالى: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولا خلاف في وجوب هذا الرزق والكسوة ، فذكر المعروف في الوصية لا يمنع وجوبها بل يؤكده ، وكذلك تخصيص الأمر بالمتقين دليل على توكيده ، لأنها إذا وجبت على المتقين كان وجوبها على غيرهم أولى ، وإنما خصهم بالذكر ، لأن فعل ذلك من تقوى الله تعالى ، والتقوى لازمة لجميع الخلق .

التالي السابق


الخدمات العلمية