الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
ذكر الآية العشرين: قوله تعالى: وأتموا الحج والعمرة لله اختلف المفسرون في المراد بإتمامها على خمسة أقوال: [ ص: 261 ] أحدها: أن يحرم بهما من دويرة أهله ، قاله علي ، وسعيد بن جبير ، وطاؤس .

والثاني: الإتيان بما أمر الله به فيهما ، قاله مجاهد .

والثالث: إفراد كل واحد عن الآخر ، قاله الحسن ، وعطاء .

والرابع: أن لا يفسخهما بعد الشروع فيهما ، رواه عطاء ، عن ابن عباس .

والخامس أن يخرج قاصدا لهما لا يقصد شيئا آخر من تجارة أو غيرها ، وهذا القول فيه بعد ، وقد ادعى بعض العلماء على قائله ، أنه [ ص: 262 ] يزعم أن الآية نسخت ، بقوله تعالى: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ، والصحيح في تفسير الآية ما قاله ابن عباس ، وهو محمول على النهي عن فسخهما لغير عذر أو قصد صحيح ، وليست هذه الآية بداخلة في المنسوخ أصلا .

ذكر الآية الحادية والعشرين: قوله تعالى: ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ذكر بعض المفسرين أن هذا الكلام اقتضى تحريم حلق الشعر ، سواء وجد به أذى أو لم يوجد ، ولم يزل الأمر على ذلك حتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عجرة ، والقمل يتناثر على وجهه ، فقال: " أتجد شاة " ؟ ، فقال: [ ص: 263 ] لا ، فنزلت: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك والمعنى: فحلق ففدية ، فاقتضى هذا الكلام إباحة حلق الشعر عند الأذى مع الفدية ، وصار ناسخا لتحريمه المتقدم .

قلت: وفي هذا بعد من وجهين: أحدهما: أنه يحتاج أن يثبت أن نزول قوله: فمن كان منكم مريضا ، تأخر عن نزول أول الآية ولا يثبت هذا ، والظاهر نزول الآية في مرة ، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم أتجد شاة ، والشاة هي النسك المذكور في قوله: أو نسك .

والثاني: إنا لو قدرنا نزوله متأخرا فلا يكون نسخا ، لأنه قد بان بذكر العذر ، أن الكلام الأول لمن لا عذر له ، فصار التقدير: ولا تحلقوا رءوسكم إلا أن يكون منكم مريضا أو من يؤذيه هوامه ، فلا ناسخ ولا منسوخ .

[ ص: 264 ] ذكر الآية الثانية والعشرين: قوله تعالى: يسألونك ماذا ينفقون اختلفوا: هل هذه منسوخة أم محكمة ؟ روى السدي ، عن أشياخه ، أنه يوم نزلت هذه لم تكن زكاة ، وإنما هي نفقة الرجل على أهله ، والصدقة يتصدقون بها فنسختها الزكاة .

وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: نسخت هذه بآية الصدقات في براءة .

وروى أبو صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: نسخ منها الصدقة على الوالدين وصارت الصدقة لغيرهم الذين لا يرثون من الفقراء والمساكين والأقربين ، وقد قال الحسن البصري ، والمراد بها التطوع على من لا يجوز إعطاؤه الزكاة ، كالوالدين والمولودين وهي غير منسوخة ، وقال ابن زيد هي في النوافل وهم أحق بفضلك .

[ ص: 265 ] قلت: من قال بنسخها ادعى أنه وجب عليهم أن ينفقوا فسألوا عن وجوه الإنفاق ، فدلوا على ذلك وهذا يحتاج إلى نقل ، والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع ، فحكمها ثابت غير منسوخ ، لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة ، وما يتطوع به لم ينسخ بالزكاة وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد ، وهذه الآية بالتطوع أشبه ، لأن ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل فبينت لهم وجوه الفضل .

ذكر الآية الثالثة والعشرين: قوله تعالى: كتب عليكم القتال [ ص: 266 ] اختلفوا في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة ؟ ، فقال قوم: هي منسوخة لأنها تقتضي وجوب القتال على الكل ، لأن الكل خوطبوا بها ، وكتب: بمعنى فرض ، قال ابن جريج : سألت عطاء ، أواجب الغزو على الناس من أجل هذه الآية ؟ ، فقال: لا، إنما كتب على أولئك حينئذ ، وقال ابن أبي نجيح سألت مجاهدا ، هل الغزو واجب على الناس ؟ ، فقال: لا ، إنما كتب عليهم يومئذ ، وقد اختلف أرباب هذا القول في ناسخها على قولين: أحدهما: أنه قوله تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها قاله عكرمة .

[ ص: 267 ] الثاني: قوله: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وقد زعم بعضهم أنها ناسخة من وجه ، ومنسوخة من وجه ، وذلك أن الجهاد كان على ثلاث طبقات: الأولى: المنع من القتال ، وذلك مفهوم من قوله تعالى: ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ، فنسخت بهذه الآية ووجب بها التعين على الكل ، وساعدها قوله تعالى: انفروا خفافا وثقالا ثم استقر الأمر على أنه إذا قام بالجهاد قوم ، سقط على الباقين بقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة والصحيح أن قوله: كتب عليكم القتال محكم ، وأن فرض الجهاد لازم للكل ، إلا أنه من فروض الكفايات ، إذا قام به قوم سقط عن الباقين فلا وجه للنسخ .

[ ص: 268 ] ذكر الآية الرابعة والعشرين: قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير سبب سؤالهم عن هذا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فقتلوا عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب ، فعيرهم المشركون بذلك فنزلت هذه الآية ، وهي تقتضي تحريم القتال في الشهر الحرام ، لقوله: قل قتال فيه كبير ، قال ابن مسعود ، وابن عباس رضي الله عنهما لا يحل ، وفي رواية أبي صالح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما عظم العقوبة ، وهذا إقرار لهم على ما كانوا عليه في الجاهلية ، فإنهم كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم .

[ ص: 269 ] " أخبرنا أبو الحسن الأنصاري ، قال: أبنا عبد الله بن علي الأبنوسي ، قال: أخبرني عبد الملك بن عمر الرزار ، قال: أبنا ابن شاهين ، قال: أبنا يحيى بن محمد بن صاعد ، قال: أبنا محمد بن توبة العنبري ، قال: أبنا أزهر بن سعد ، قال: أبنا ابن عون ، قال: قال أبو رجاء العطاردي : " كان إذا دخل شهر رجب ، قالوا: قد جاء منصل الأسنة ، فيعمد أحدهم إلى سنان رمحه فيخلعه ويدفعه إلى النساء ، فيقول: أشدن هذا في عكومكن فلو مر أحدنا على قاتل أبيه لم يوقظه قلت: واختلف العلماء هل هذا التحريم باق أم نسخ .

[ ص: 270 ] وأخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أبنا عمر بن عبيد الله البقال ، قال: أبنا ابن بشران ، قال: أبنا الكاذي ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أبنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال: قلت لعطاء : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ما لهم إذ ذاك لا يحل لهم أن يغزو أهل الشرك في الشهر الحرام ، ثم غزوهم فيه بعد ، فحلف لي بالله ، ما يحل للناس الآن أن يغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه ، أو يغزو وما نسخت .

وروى عبد خير ، عن علي عليه السلام في قوله: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ، قال: نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم [ ص: 271 ] ، وقال سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار وسائر علماء الأمصار: إن القتال في الشهر الحرام جائز ، فإن هذه الآية منسوخة بقوله: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر .

" أخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أبنا أبو الفضل البقال ، قال: أبنا ابن بشران ، قال: أبنا إسحاق الكاذي ، قال أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أبنا عبد الرزاق ، عن معمر ، قال: قال الزهري : " كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحل له بعد [ ص: 272 ] ذكر الآية الخامسة والعشرين: قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس اختلف العلماء في هذه الآية: فقال قوم: إنها تضمنت ذم الخمر لا تحريمها ، وهو مذهب ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وقتادة ، وقال آخرون: بل تضمنت تحريمها ، وهو مذهب الحسن ، وعطاء فأما قوله تعالى: وإثمهما أكبر من نفعهما ، فيتجاذبه أرباب القولين ، فأما أصحاب القول الأول: فإنهم قالوا إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبله ، [ ص: 273 ] وقال أصحاب القول الثاني: إثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما حينئذ أيضا ، لأن الإثم الحادث عن شربها من ترك الصلاة والإفساد الواقع ، عن السكر لا يوازي منفعتها الحاصلة من لذة أو بيع ، ولما كان الأمر محتملا للتأويل ، قال عمر بن الخطاب بعد نزول هذه الآية: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا ، وعلى القول الأول يتوجه النسخ بقوله تعالى: فاجتنبوه .

[ ص: 274 ] ذكر الآية السادسة والعشرين: قوله تعالى: ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ، فالمراد بهذا الإنفاق ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الصدقة والعفو ما يفضل عن الإنسان .

" أخبرنا عبد الوهاب الحافظ ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون ، وأبو طاهر الباقلاوي ، قال: أبنا أبو علي بن شاذان ، قال: أبنا أحمد بن كامل ، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن سعد ، قال: حدثني أبي ، قال: حدثني عمي ، قال: حدثني أبي ، عن جدي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " قل العفو ، قال: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير ، فاقبله منهم لم يفرض [ ص: 275 ] فيه فريضة معلومة ، ثم نزلت بعد ذلك الفرائض مسماة ، وقد قيل: إن المراد بهذه الصدقة الزكاة أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب ، قال: أبنا علي بن الفضل ، قال: أبنا عبد الصمد ، قال: أبنا عبد الله بن حموية ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم ، قال: أبنا عبد الحميد ، قال: أبنا شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال: " العفو الصدقة المفروضة .

والقول الثاني: أنه كان فرض عليهم قبل الزكاة أن ينفقوا ما يفضل عنهم ، فكان أهل المكاسب يأخذون قدر ما يكفيهم من نصيبهم ، ويتصدقون بالباقي ، وأهل الذهب والفضة يأخذون قدر ما يكفيهم في تجارتهم ويتصدقون بالباقي ، ذكره بعض المفسرين .

[ ص: 276 ] والثالث: أنها نفقة التطوع ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حثهم على الصدقة ورغبهم بها ، قالوا: ماذا ننفق ؟ ، وعلى من ننفق ؟ ، فنزلت هذه الآية ، قال مقاتل بن حيان في قوله: يسألونك ماذا ينفقون ، قال: هي النفقة في التطوع ، فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه سنة ويتصدق بسائره ، وإن كان ممن يعمل بيديه أمسك ما يكفيه يوما ويتصدق بسائره ، وإن كان من أصحاب الحقل والزرع أمسك ما يكفيه سنة وتصدق بسائره ، فاشتد ذلك على المسلمين فنسختها آية الزكاة .

قلت: فعلى هذا القول ، معنى قوله: اشتد ذلك على المسلمين ، أي: صعب ما ألزموا نفوسهم به ، فإن قلنا إن هذه النفقة نافلة أو هي الزكاة فالآية محكمة ، وإن قلنا إنها نفقة فرضت قبل الزكاة فهي منسوخة بآية الزكاة ، والأظهر أنها في الإنفاق، في المندوب إليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية