الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
[ ص: 277 ] ذكر الآية السابعة والعشرين: قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن اختلف المفسرون في المراد بالمشركات هاهنا على قولين: أحدهما: أنهن الوثنيات .

" أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري ، قال: أبنا علي بن الفضل ، قال: أبنا محمد بن عبد الصمد ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: أبنا إبراهيم بن خريم ، قال: أبنا عبد الحميد ، قال: أبنا قبيصة ، عن سفيان عن حماد ، قال: [ ص: 278 ] " سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية ، قال: لا بأس به ، فقلت: أليس الله تعالى ، يقول: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، قال: إنما ذلك المجوسيات وأهل الأوثان قال عبد الحميد : حدثنا يونس ، عن سفيان ، عن قتادة " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، قال: المشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه ، قال سعيد بن جبير : هن المجوسيات وعابدات الأوثان .

والثاني: أنه عام في الكتابيات وغيرهن من الكافرات ، فالكل مشركات ، وافترق أرباب هذا القول على قولين: أحدهما: أن هذا القدر من الآية نسخ بقوله تعالى: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم .

[ ص: 279 ] " فأخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أبنا عمر بن عبيد الله البقال ، قال: أبنا ابن بشران ، قال: أبنا إسحاق الكاذي ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أبنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني ، قال: أبنا ابن مبارك ، عن يونس ، عن الزهري " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، ثم أحل نكاح المحصنات من أهل الكتاب فلم ينسخ من هذه الآية غير ذلك ، فنكاح كل مشرك سوى نساء أهل الكتاب حرام .

والثاني: أن قوله: ولا تنكحوا المشركات لفظ عام خص منه الكتابيات بآية المائدة وهذا تخصيص لا نسخ ، وعلى هذا الفقهاء وهو الصحيح ، وقد زعم قوم أن أهل الكتاب ليسوا مشركين ، وهذا فاسد ، لأنهم قالوا: عزير ابن الله ، والمسيح ابن الله فهم بذلك مشركون .

[ ص: 280 ] ذكر الآية الثامنة والعشرين: قوله تعالى: ويسألونك عن المحيض قل هو أذى توهم قوم قل علمهم أن هذه الآية منسوخة ، فقالوا: هي تقتضي مجانبة الحائض على الإطلاق كما يفعله اليهود ، ثم نسخت بالسنة ، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباح الاستمتاع بالحائض إلا النكاح ، وكان صلى الله عليه وسلم يستمتع من الحائض بما دون الإزار ، وهذا ظن منهم فاسد لأنه لا خلاف بين الآية والأحاديث ، [ ص: 281 ] قال أحمد بن حنبل: المحيض موضع الدم ، ويوضح هذا التعليل للنهي بأنه أذى ، فخص المنع مكان الأذى ثم لو كانت الأحاديث تضاد الآية قدمت الآية ، لما بينا في أول الكتاب من أن الناسخ ينبغي من أن يشابه المنسوخ في قوته والقرآن أقوى من السنة .

[ ص: 282 ] ذكر الآية التاسعة والعشرين: قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء قد ذهب جماعة من القدماء إلى أن في هذه الآية منسوخا ، ثم اختلفوا في المنسوخ منها على قولين: أحدهما: أنه قوله: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء .

قالوا: فكان يجب على كل مطلقة أن تعتد ثلاثة قروء ، فنسخ من ذلك حكم الحامل بقوله: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ونسخ حكم الآيسة والصغيرة من ذلك ، بقوله: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ، ونسخ حكم المطلقة قبل الدخول بقوله: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقتادة ، إلا أن ابن عباس استثنى ، ولفظ قتادة نسخ .

[ ص: 283 ] " أخبرنا إسماعيل بن أحمد ، قال: أبنا أبو الفضل البقال ، قال: أبنا أبو الحسين بن بشران ، قال: أبنا إسحاق الكاذي ، قال: أبنا عبد الله بن أحمد ، قال: حدثني أبي ، قال: أبنا عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن قتادة " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، قال: فجعل عدة المطلقة ثلاث حيض ، ثم نسخ منها التي لم يدخل بها ، فقال: إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فهذه ليس لها عدة ، وقد نسخ من الثلاثة قروء ، امرأتان ، فقال: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ، فهذه العجوز التي لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر ، ونسخ من الثلاثة قروء الحامل ، فقال: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن والقول الثاني: أن أول الآية محكم ، وإنما المنسوخ منها قوله: وبعولتهن أحق بردهن [ ص: 284 ] ، قالوا: فكان الرجل إذا طلق ارتجع ، سواء كان الطلاق ثلاثا أو دون ذلك فنسخ هذا بقوله: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .

واعلم أن القول الصحيح المعتمد عليه أن هذه الآية كلها محكمة ، لأن أولها عام في المطلقات ، وما ورد في الحامل والآيسة والصغيرة فهو مخصوص من جملة العموم ، وليس على سبيل النسخ ، وأما الارتجاع فإن الرجيعة زوجة ، ولهذا قال: وبعولتهن ، ثم بين الطلاق الذي يجوز منه الرجعة ، فقال: الطلاق مرتان إلى قوله: فإن طلقها يعني الثلاثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .

ذكر الآية الثلاثين: قوله تعالى: الطلاق مرتان [ ص: 285 ] قد زعم قوم: أن هذه الآية نسخت ما كانوا عليه ، من أن أحدهم كان يطلق ما شاء .

" أخبرنا ابن ناصر ، قال: أبنا علي بن أيوب ، قال: أبنا ابن شاذان ، قال: أبنا أبو بكر النجاد ، قال: أبنا أبو داود السجستاني ، قال: أبنا أحمد بن محمد ، قال: أبنا علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: " كان الرجل إذا طلق امرأته ، فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ الله ذلك ، فقال: الطلاق مرتان الآية وروى سعيد ، عن قتادة ، في قوله تعالى: الطلاق مرتان ، قال: فنسخ هذا ما كان قبله وجعل الله حد الطلاق ثلاثا .

قلت: وهذا يجوز في الكلام يريدون به تغيير تلك الحال وإلا فالتحقيق أن هذا لا يقال فيه ناسخ ولا منسوخ ، وإنما هو ابتداء شرع وإبطال لحكم العادة .

[ ص: 286 ] وزعم آخرون: أن هذه الآية لما اقتضت إباحة الطلاق على الإطلاق من غير تعيين زمان ، نزل قوله: فطلقوهن لعدتهن أي: من قبل عدتهن وذلك أن تطلق المرأة في زمان طهرها لتستقبل الاعتداد بالحيض ، وهذا قول من لا يفهم الناسخ والمنسوخ ، وإنما أطلق الطلاق في هذه الآية وبين في الأخرى كيف ينبغي أن يوقع ، ثم إن الطلاق واقع ، وإن طلقها في زمان الحيض ، فعلم أنه تعليم أدب والصحيح أن الآية محكمة .

التالي السابق


الخدمات العلمية