الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الخامسة : أن داود عليه السلام قال : ( وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا ) استثنى الذين آمنوا عن البغي ، فلو قلنا إنه كان موصوفا بالبغي لزم أن يقال إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل .

                                                                                                                                                                                                                                            السادسة : حضرت في بعض المجالس وحضر فيه بعض أكابر الملوك وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك ، فقلت له : لا شك أن داود عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل ، ولقد قال الله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) [ الأنعام : 124 ] ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ الطعن فيه ، وأيضا فبتقدير أنه ما كان نبيا فلا شك أنه كان مسلما ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم : لا تذكروا موتاكم إلا بخير ثم على تقدير أنا لا نلتفت إلى شيء من هذه الدلائل ، إلا أنا نقول إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقية صحيحة فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئا من الثواب ، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب ، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة الباطلة فاسدة ، فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب ، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها ، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها ، فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه ، وأن شرح تلك القصة محرم محظور فلما سمع ذلك الملك هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئا .

                                                                                                                                                                                                                                            السابعة : أن ذكر هذه القصة ، وذكر قصة يوسف عليه السلام يقتضي إشاعة الفاحشة فوجب أن يكون محرما لقوله تعالى : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) [النور : 19] .

                                                                                                                                                                                                                                            الثامنة : لو سعى داود في قتل ذلك الرجل لدخل تحت قوله : من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله وأيضا لو فعل ذلك لكان ظالما ، فكان يدخل تحت قوله : ( ألا لعنة الله على الظالمين ) [هود : 18] .

                                                                                                                                                                                                                                            التاسعة : عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : "من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين " وهو حد الفرية على الأنبياء ، ومما يقوي هذا أنهم لما قالوا إن المغيرة بن شعبة زنى وشهد ثلاثة من عدول الصحابة بذلك ، وأما الرابع فإنه لم يقل بأني رأيت ذلك العمل . يعني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا ، وإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك ، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام .

                                                                                                                                                                                                                                            العاشر : روي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله تعالى فقال لا ينبغي أن يزاد عليها وإن كانت الواقعة على ما ذكرت ، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك الواقعة على داود عليه السلام ، فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ذلك الستر بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال [ ص: 168 ] عمر : " سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس " فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها فاسدة باطلة ، فإن قال قائل : إن كثيرا من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة ، فكيف الحال فيها ؟ فالجواب الحقيقي أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى ، وأيضا فالأصل براءة الذمة ، وأيضا فلما تعارض دليل التحريم والتحليل كان جانب التحريم أولى ، وأيضا طريقة الاحتياط توجب ترجيح قولنا ، وأيضا فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول الله لنا يوم القيامة لم لم تسعوا في تشهير هذه الواقعة ؟ وأما بتقدير كونها باطلة فإن علينا في ذكرها أعظم العقاب ، وأيضا فقال عليه السلام " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " وههنا لم يحصل العلم ولا الظن في صحة هذه الحكاية ، بل الدلائل القاهرة التي ذكرناها قائمة فوجب أن لا تجوز الشهادة بها ، وأيضا كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول بل الأكثرون المحقون والمحققون منهم يردونه ويحكمون عليه بالكذب والفساد ، وأيضا إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت وبقي الرجوع إلى الدلائل التي ذكرناها ، فهذا تمام الكلام في هذه القصة .

                                                                                                                                                                                                                                            أما الاحتمال الثاني : وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ولا يوجب حصول الكبيرة ، فنقول في كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فآثره أهلها ، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب البتة ، أما وقع بصره عليها من غير قصد فذلك ليس بذنب ، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضا ذنبا لأن هذا الميل ليس في وسعه ، فلا يكون مكلفا به بل لما اتفق أن قتل زوجها لم يتأذ تأذيا عظيما بسبب قتله لأجل أنه طمع أن يتزوج بتلك المرأة فحصلت الزلة بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل .

                                                                                                                                                                                                                                            والثالث : أنه كان أهل زمان داود عليه السلام يسأل بعضهم بعضا أن يطلق امرأته حتى يتزوجها ، وكانت عادتهم في هذا المعنى مألوفة معروفة أو أن الأنصار كانوا يساوون المهاجرين بهذا المعنى فاتفق أن عين داود عليه السلام وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزا في ظاهر الشريعة ، إلا أنه لا يليق بك ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود عليه السلام إلا ترك الأفضل والأولى .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية